الرئيسية » الْحِوَارُ الْمَسْكُونِيُّ » الصراعات الكريستولوجية فى القرنين الرابع والخامس وما تلاها من تطورات حتى العصر الحالى

الصراعات الكريستولوجية فى القرنين الرابع والخامس وما تلاها من تطورات حتى العصر الحالى

الصراعات الكريستولوجية فى القرنين الرابع والخامس

وما تلاها من تطورات حتى العصر الحالى

لقد دارت السجالات الكريستولوجية فى القرنين الرابع والخامس حول حقيقة كون السيد المسيح ابن الله وابن الإنسان فى نفس الوقت. أى حول أنه هو هو نفسه وبشخصه نفسه الإله الحق الكلمة الأزلى المولود من الآب بغير انفصال قبل كل الدهور، والإنسان التام الذى بلا خطية وحده، المولود من القديسة العذراء مريم فى ملء الزمان. مساوِ للآب فى الجوهر من حيث لاهوته، ومساو لنا فى الجوهر من حيث ناسوته.

نشأت هذه السجالات بسبب ظهور بدع كريستولوجية، أسفرت عن حدوث الانشقاق الذى تلا المجمع الخلقيدونى عام 451 والذى دام قرابة خمسة عشر قرناً من الزمان. ولكن أمكن التوفيق بين الكنائس الخلقيدونية والكنائس اللاخلقيدونية فى النصف الأخير من القرن العشرين، بفضل الحوارات اللاهوتية التى أزالت سوء الفهم بين الطرفين. وكشفت رفض الطرفين معاً للهرطقات التى علّم بها كل من أبوليناريوس وثيئودور ونسطور وأوطاخى. إلى جوار رفضهم المعروف للهرطقات التى علّم بها كل من أريوس وبولس الساموساطى.

هرطقة أبوليناريوس Apollinarius أسقف اللاذقية Laodicea (390) :

لقد حوّل أبوليناريوس تعليم ثلاثية تكوين الإنسان trichotomy من سيكولوجية أفلاطون إلى كريستولوجى، فقال: كما أن الإنسان العادى مكوَّن من جسد ونفس وروح، هكذا يسوع المسيح هو مكوّن من جسد ونفس والكلمة (اللوغوس). وفى رأيه أن الكلمة قد حل محل الروح pneuma واتحد بالجسد والنفس لتكوين الاتحاد.[1]

لم يتصور أبوليناريوس إمكانية وجود نفس إنسانية عاقلة فى المسيح فى وجود الله الكلمة الذى هو روح والذى هو العقل الإلهى منطوق به. ربما تصوّر أبوليناريوس أن النفس الإنسانية العاقلة تعنى بالضرورة شخصاً بشرياً متمايزاً عن شخص الله الكلمة. بمعنى أنه خلط بين مفهوم الشخص الذى هو مالك الطبيعة، ومفهوم العقل الذى هو أحد خواص الطبيعة التى يملكها الشخص، أى أنه اعتبر أن الشخص هو العقل. وأراد بإلغاء الروح الإنسانية العاقلة أن يؤكّد أن شخص كلمة الله هو الذى تجسد وهو هو نفسه يسوع المسيح. بمعنى أن كلمة الله لم يتخذ شخصاً من البشر بل اتخذ جسداً ذا نفس بلا روح عاقلة. وبهذا تتحقق -فى نظره- وحدة الطبيعة  فى المسيح الكلمة المتجسد وعصمته من الخطيئة.

وقد تصوّر البعض أن القديس أثناسيوس الرسولى فى القرن الرابع قد تأثر بفكر وتعليم أبوليناريوس فى تعاليمه الكريستولوجية. ولكن القديس أثناسيوس قد شرح هذا الأمر باستقامته المعروفة فى التعليم فى رسالته إلى أبيكتيتوس. وقال أن عبارة القديس يوحنا الانجيلى أن “الكلمة صار جسداً” (يو1: 14) تعنى أن “الكلمة صار إنساناً” وأن السيد المسيح قد اتخذ طبيعة بشرية كاملة من جسد وروح عاقلة. فقال القديس أثناسيوس: [ لأن القول “الكلمة صار جسداً” هو مساو أيضاً للقول “الكلمة صار إنساناً” حسب ما قيل فى يوئيل النبى “إنى سأسكب من روحى على كل جسد” لأن الوعد لم يكن ممتداً إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرب إنساناً].[2]

وقال أيضاً فى نفس الرسالة: [إلا أن خلاصنا، فى واقع الأمر، لا يعتبر خيالاً، فليس الجسد وحده هو الذى حصل على الخلاص، بل الإنسان كله من نفس وجسد حقاً، قد صار له الخلاص فى الكلمة ذاته].[3]

إدانة هرطقة أبوليناريوس :

أدانت عدة مجامع مكانية فى روما (377م)، والإسكندرية (378م)، وأنطاكية (379م)  تعاليم أبوليناريوس. ثم أدين فى المجمع المسكونى الثانى الذى انعقد فى القسطنطينية (381 م).

كان رأى آباء مجمع القسطنطينية أن السيد المسيح له نفس إنسانية عاقلة لأنه جاء لخلاص البشر وليس لخلاص الحيوانات. وأنه كان ينبغى أن تكون للمسيح إنسانية كاملة لكى يتم افتداء الطبيعة الإنسانية. وأن الروح البشرية مثلها مثل الجسد فى حاجة إلى الفداء وهى مسئولة عن سقوط الإنسان. فبدون الروح البشرية العاقلة كيف يكون الإنسان مسئولاً مسئولية أدبية عن خطيئته؟  فالروح البشرية أخطأت مع الجسد وتحتاج إلى الخلاص، ولهذا يجب أن يتخذها كلمة الله مع الجسد لأن ما لم يتخذ لا يمكن أن يخلص، كما قال القديس غريغوريوس النازيانزى عبارته المشهورة ضد أبوليناريوس فى رسالة إلى الكاهن كليدونيوس “لأن ما لم يتخذه (الله الكلمة) فإنه لم يعالجه؛ ولكن ما تم توحيده بلاهوته فهذا يخلص”.[4]

بمعنى أن ما لم يُتَخَذ بواسطة الله الكلمة لا يخلص. أى إذا اتخذ الله الكلمة جسداً فقط فإن الجسد هو الذى سيخلص، وإذا اتخذ جسد وروح سيخلص الجسد والروح.

إن أهم ما شغل الآباء ضد الأبولينارية هو “أن النفس الإنسانية العاقلة، بقدرتها على الاختيار، كانت هى مقر الخطيئة (كرسى الخطية seat of sin)؛ ولو لم يوحّد الكلمة هذه النفس بنفسه، فإن خلاص الجنس البشرى لم يكن ممكناً”.[5]

أى أن الآباء يعتبرون أن الروح الإنسانى العاقل فى الإنسان هى الجوهر الأقوى، وهو القادر على اتخاذ القرار، فى أن يعيش الإنسان فى الخطية أو أن ينفّذ وصايا الله. فيقول الكتاب “إن عشتم حسب الجسد فستموتون ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيوْن” (رو8: 13). ولأن الشخص فى الإنسان مرتبط بالروح العاقل، فالروح العاقل هو الذى يتخذ القرار. والجسد عندما يموت لا يضيع الشخص بل يظل موجوداً مع الروح. مثال لذلك القديسين الذين استشهدوا أو انتقلوا فإن أرواحهم مع أشخاصهم مازالت موجودة وتظهر وتتحرك وتعمل المعجزات. فالجسد يموت ولكن يبقى الروح حى، وبما أن الكيان الحى الذى لا يموت فى الإنسان هو الروح لذلك فإن الشخص مرتبط به.

وكذلك فى تجسد الله الكلمة: فإن الشخص كان مرتبطاً باللاهوت، لذلك فإن روحه الإنسانى لم يكن شخص وكذلك جسده لم يكن شخص. إنما شخصه هو فى الجوهر الأسمى الذى يجمع الثلاثة طبائع معاً أى طبيعة اللاهوت مع طبيعة الروح الإنسانى وطبيعة الجسد.

الإنسان له طبيعتان يكوِّنان طبيعة واحدة، لذلك فالشخص موجود مع الروح الإنسانى الذى هو الجوهر الأسمى فى الإنسان، أما فى المسيح فالجوهر الأسمى هو اللاهوت لذلك فهو شخصه، ويجمع الروح والجسد الإنسانى فى نفس هذا الشخص الواحد.

إن الشخص هو مالك الطبيعة ومالك الجوهر ومالك الكيان، هو صاحب الـ  e{gw  (الإيجو) أى “الأنا”. وفى حالة الكلمة المتجسد الذى يقول “أنا” هو الذى تجسد، واللاهوت لاهوته هو. ولأن الله الكلمة هو نفسه اتخذ ناسوتاً وصار إنساناً، وهو نفسه تجسد، فليس محتاجاً لمالك آخر ينافسه، أى ليس محتاجاً لأن يكون لديه اثنين من المُلاك أحدهما يملك الناسوت والآخر يملك اللاهوت. لأنه لو كان الأمر هكذا لصارت مجرد سكنى، لأن وجود اثنين يعنى سكنى الواحد فى الآخر. لكن مثلما تتحد روح الإنسان بالجسد وكلاهما يملكهما نفس الشخص، هكذا فإن لاهوت السيد المسيح متحد بناسوته، وكليهما (اللاهوت والناسوت) يملكهما نفس الشخص، الذى هو شخص الابن الوحيد.

إن عبارة “أن النفس الإنسانية العاقلة، بقدرتها على الاختيار، كانت هى مقر الخطيئة” التى قالها الآباء سببها أن النفس هى التى تختار، وذلك لأن الشخص مرتبط بالروح، فدائماً القرار فى النهاية هو قرار روح الإنسان المرتبط بالشخص، لأن القرار هو قرار شخصى personal  decision.

أما بالنسبة لنداء الطبيعة فإن الجسد له نداء والروح لها نداء، وهذه تسمى الرغبة desire. وهناك فرق بين الرغبة desire  والقرارdecision ، فالرغبةdesire   هى مثلما يريد الجسد أن ينام مثلاً، لكن القرار هو أن يسهر ولا ينام، فالـرغبة قد لا تنفَّذ. لذلك علّمنا الكتاب ألا نسلك بحسب رغبات الجسد بل رغبات الروح حتى نصل إلى الكمال.

إن رغبات الجسد لا تعتبر خطية فى جميع الأحوال. فمثلاً حينما يعطش الجسد أو يجوع فهذه ليست خطايا. أما فى حالة الصوم فيمتنع الإنسان حتى عن الطعام والشراب. وعندما صام السيد المسيح على الجبل أربعين يوماً وأربعين ليلة “جاع أخيراً” أى أن الجسد بدأ يطلب الطعام. لكن السيد المسيح قال “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (مت4:4). ولما أكمل التجارب بعد صومه عنا وانتصاره لأجلنا، جاءت الملائكة وصارت تخدمه وأتت له بكل ما يحتاج إليه.

السيد المسيح فى تجسده كانت له رغبات إلهية –وهذا شئ طبيعى- بالإضافة إلى الرغبات الإنسانية التى تمثلها رغبات الجسد وأيضاً الروح الإنسانى. فعندما قال “لتكن لا إرادتى بل إرادتك” (لو 22: 42) كان يقصد لتكن لا رغباتى الإنسانية بل مشيئتك ورغبتك الإلهية التى هى نفسها مشيئتى ورغبتى الإلهية، أما القرار فقد كان قبول الصليب. وهو لم يقل “ليكن لا قرارى بل قرارك” بل “لتكن لا رغبتى بل رغبتك”.

وكلمة “مشيئتى” تُفسَر بمعنيين: بمعنى الرغبة وبمعنى القرار. ولذلك من الممكن أن يقول أحد المعنيان فى جملة واحدة، مثلما يقول: (أنا أريد أن أشرب ولكنى لا أريد أن أشرب) هنا أريد الأولى تعنى أرغب، وأريد الثانية تعنى أقرر. بمعنى إنى أرغب فى الشرب ولكنى قررت ألا أشرب لأنى صائم.

إن كلمة “مشيئة” لها معنيان وهما الرغبة والقرار، ومن الممكن أن تستخدم بالمعنيين. ومن هنا جاء الصراع الطويل فى موضوع المشيئة والمشيئتين. ولم يكن من داعى لكل هذا الصراع، فكل طبيعة من طبيعتى السيد المسيح المتحدتين لها رغباتها الطبيعية وتسمى natural wills  ولكن السيد المسيح لم يكن لديه two personal wills  لأنه شخص واحد. وهاتان الرغبتان الطبيعيتان اتحدتا معاً مثلما اتحدت الطبيعتان وكونتا طبيعة واحدة من طبيعتين، دون أن تذوب الواحدة فى الأخرى.

الرغبات الطبيعية أيضاً فى السيد المسيح لم يكن بينهما انفصال أو انقسام، ولم تلغى الواحدة الأخرى. ومثلما استمر الجسد قابل للموت واللاهوت غير قابل للموت بعد الاتحاد، هكذا استمرت الرغبات الطبيعية والرغبات الإلهية فى المسيح بعد الاتحاد، بدون انفصال يجعل الواحدة منهما تعمل ضد الأخرى. ولذلك فإننا نقول فى القداس الإلهى: “باركت طبيعتى فيك”.

وقد جعل السيد المسيح رغباته الإنسانية دائماً خاضعة وطائعة لرغباته الإلهية، بحيث أن الرغبة الإلهية دائماً فى النهاية هى التى تُنَفَّذ. لذلك يقول الكتاب “مع كونه إبناً تعلم الطاعة مما تألم به” (عب5: 8) أى أنه درب طبيعتنا البشرية فى شخصه على أن تكون دائماً مطيعة للآب السماوى، خاصة فى مرحلة الآلام حيث بلغت الطاعة ذروتها “أطاع حتى الموت موت الصليب” (فى2: 8).

ردود الفعل ضد الأبولينارية :

ظهرت ردود الفعل ضد الأبولينارية فى نفس منطقة أبوليناريوس (سوريا) فى شخص ديودور أسقف طرسوس (توفى 394م) Diodore of Tarsus  وثيئودور الموبسويستى فى كيليكيا (فى شمال سوريا، عند التقاء تركيا بسوريا) (توفى 428م) Theodore of Mopsuestia in Cilicia.

ديودور الطرسوسى :

إدّعى ديودور أن اللاهوت سوف ينتقص إذا كوّن الكلمة والجسد اتحاداً جوهرياً substantial (أو أقنومياً) مشابهاً لذلك الذى ينتج عن اتحاد الجسد والنفس (العاقلة) فى الإنسان.

فى رد فعله على ذلك (أى على فكرة تكوين الكلمة والجسد اتحاداً جوهرياً) قادته نظريته الخاصة إلى الفصل بين اللاهوت والناسوت، وهذا أوصله إلى التمييز[6]  بين ابن الله وابن داود. وقال[7]  إن الكتب المقدسة تضع حداً فاصلاً بين أفعال الابنين.. فلماذا يحصل من يجدفون على ابن الإنسان على الغفران، بينما من يجدفون على الروح (الروح القدس) لا يحصلون على الغفران؟[8]

فتش ديودور فى الكتاب المقدس كله على آية واحدة واخترع منها هرطقة. مع أن السيد المسيح مثلاً قال “إن ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه” (مت16: 27)، وهو فى هذا القول لم يفرِّق بين ابن الإنسان وابن الله. فمع أن عبارة “مجد أبيه” تدل على أنه ابن الله، إلا أنه ذكر فى بداية القول عبارة “ابن الإنسان” ولم يفصل بينهما.

يفسر ديودور الطرسوسى قول السيد المسيح “كل من قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من جدَّف على الروح القدس فلا يغفر له” (لو 12: 10) بأن ابن الإنسان ليس اللاهوت أما ابن الله فهو اللاهوت، لذلك فإن من يجدّف على ابن الإنسان يجدف على الناسوت وليس اللاهوت.

لكن هذه الآية فى الحقيقة لا تعنى ذلك على الإطلاق، بل تعنى أنه حيث أن الروح القدس هو الذى يبكت الإنسان على الخطية، لذلك إذا جدَّف الإنسان على الابن سيغفر له لو تاب بواسطة تبكيت الروح القدس له، أما إذا جدف على الروح القدس فهذا يعنى أنه سيرفض عمل الروح القدس فيه، فمن الذى سيقوده إلى التوبة حينئذ؟! ومن الذى سيرشده إلى معرفة الحق. قال السيد المسيح “متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق” (يو16: 13). أما الذى يجدف على الروح القدس فلن يجد أحد يعرِّفه بحقيقة المسيح. الذى يجدّف على المسيح بعد فترة من الممكن أن يرشده الروح القدس، ويرجع إلى طريق الصواب ويكتشف خطأه. مثال لذلك: بولس الرسول الذى قال له السيد المسيح “أنا يسوع الذى أنت تضطهده” (أع9: 5). هو يسوع واحد، وكان بولس يضطهده فى كل الاتجاهات، فقد كان يفترى عليه، ويقول أنه ليس ابن الله. فهل كانت حرب بولس الرسول فى اضطهاده للمسيحية هى حرب ضد ابن الإنسان فقط؟ وقد كان بولس أيضاً ينكر أن المسيح هو الله. مثل جميع اليهود الذين أرادوا أن يقتلوا السيد المسيح لأنه قال أن الله أبوه معادلاً نفسه بالله (انظر يو5: 18). (إذاً فالتجديف على ابن الإنسان معناه إنكار تجسد الله الكلمة ومساواته للآب).

 

ثيئودور الموبسويستى :

أراد ثيئودور الموبسويستى أن يؤكد الإنسانية الكاملة للمسيح، واعتبر أن الإنسانية الكاملة لا تتحقق إلا إذا كان المسيح شخصاً إنسانياً لأنه اعتقد أنه لا وجود كاملاً بلا شخصية. وبهذا لم يكتفِ بتأكيد وجود طبيعة إنسانية كاملة للسيد المسيح، ولكنه تمادى إلى تأكيد اتخاذ الله الكلمة لإنسان تام يستخدمه كأداة لخلاص البشرية واعتبر أن الله الكلمة قد سكن فى هذا الإنسان بالإرادة الصالحة       (good will)، وأنه قد اتحد به اتحاداً خارجياً فقط. واستخدم عبارة اتصال  conjoining- sunafeia  بدلاً من كلمة اتحاد e{nwsiõ union . وبهذا فقد جعل فى المسيح شخصين أحدهما إلهى والآخر إنسانى وقد كونا معاً شخصاً واحداً هو شخص الاتحاد (اتحاد خارجى) مشبهاً إياه باتحاد الرجل  بالمرأة.[9]

قال المؤرخ هيفلى[10] C.J. Hefele: [ثيئودور فى خطئه الجوهرى.. لم يحفظ فقط وجود طبيعتين فى المسيح، إنما شخصين أيضاً، وهو نفسه قال ليس هناك كيان subsistence  يمكن أن يظن أنه كامل بدون شخصية. لكن كما أنه لم يتجاهل حقيقة أن ضمير الكنيسة قد رفض هذا الازدواج فى شخصية المسيح، إلا أنه سعى إلى التخلص من الصعوبة وكرر القول صريحاً: “إن الطبيعتين اللتين اتحدتا معاً كونتا شخصاً واحداً فقط، كما أن الرجل والمرأة هما جسد واحد.. فإذا أمعنا الفكر فى الطبيعتين فى تمايزهما يجب علينا أن نعرف طبيعة الكلمة على أنه كامل وتام، وكذلك شخصه. وأيضاً طبيعة وشخص الإنسان على أنها كاملة وتامة. وإذا -من ناحية أخرى- نظرنا إلى الاتصال sunafeia نقول أنه شخص واحد”[11]. إن نفس صورة الوحدة بين الرجل وزوجته تبيِّن أن ثيئودور لم يفترض اتحاداً حقيقياً لطبيعتين فى المسيح، ولكن تصوره كان لصلة خارجية بين الاثنين. علاوة على ذلك فإن التعبير “اتصال” conjoining – sunafeia  الذى يختاره هنا بدلاً من كلمة “اتحاد” union  enwsiV.. مشتق من ) sunaptwالراقصين الممسكين بأيدى بعضهم البعض فى شكل دائرة – أى يصل بعضهم بالبعض الآخر) تعبر فقط عن ارتباط خارجى، وتوطد معاً. لذلك فهو مرفوض بوضوح.. بواسطة علماء الكنيسة.]

ثيئودور الموبسويستى يتكلم عن اتحاد الله الكلمة بالإنسان يسوع وليس اتحاد اللاهوت بالناسوت، ويقول إنه اتحاد فى الكرامة والسلطة والمشيئة، وإنه اتحاد خارجى فى الصورة. لكنه عندما يتكلم عن العلاقة بين الطبيعتين يقول “اتصال”. وعندما يتكلم عن الله والإنسان يقول “اتحاد” لكنه يصف نوع هذا الاتحاد فيقول عنه أنه اتحاد خارجى فى الصورة الخارجية. أما عن اللاهوت والناسوت فيقول “اتصال” وليس “اتحاد”، ويعتبر أن الروح الإنسانى هو حلقة الاتصال بين اللوغوس وبين الجسد.

حرم المجمع المسكونى الخامس 553م ثيئودور الموبسويستى وتعليمه وكان ضمن ما قيل ضده هو أن استخدامه تشبيه اتحاد الرجل بالمرأة عن اتحاد الله الكلمة بالإنسان يسوع يعتبر وقاحة. وكان ضمن ما قاله ثيئودور أيضاً أن توما الرسول حينما قال “ربى وإلهى” (يو20: 28) لم يقلها بمعنى أن المسيح هو ربه وإلهه، إنما قالها من شدة الانبهار، مثلما يرى إنسان كنزاً من الجواهر أو حادث أليم.

كنا نحن قد حرمنا ثيئودور قبل ذلك التاريخ بزمان لأننا فى حرمنا للنسطورية حرمنا نسطور وتعليمه وكل ما يمت إليها بصلة. أما المجمع الخامس 553م فقد عقد لإرضاء كنائسنا، إذ حاول الإمبراطور أن يصالح الخلقيدونيين مع اللاخلقيدونيين. فحرم هذا المجمع كتابات ثيئودور الموبسويستى وثيئودوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها التى تسمى Three chapters controversies  (صراع الفصول الثلاثة). أى أنهم عملوا فى المجمع الخامس ما كان يجب عمله فى مجمع خلقيدونية وكان سبباً فى اعتراضنا عليه. كان ثيئودوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها (435-457م)، الذين كتبا ضد القديس كيرلس عامود الدين وضد التعليم الأرثوذكسى، كتب إيباس أسقف الرها رسالة إلى ماريس الفارسى ضد تعاليم القديس كيرلس الكبير، ولهذا فقد حرمه المجمع الثانى فى أفسس 449م برئاسة البابا ديسقورس. وللأسف حاللـه البابا لاون الأول بابا روما قبل انعقاد مجمع خلقيدونية. وفى خلقيدونية قُبل فى الجلسة الثامنة للمجمع بعد أن وقّع على حرم نسطور، ولكن قرئت رسالته ولم يتم حرمها، وإنما تم ذلك فى المجمع التالى فى القسطنطينية 553م لمحاولة إصلاح صورة الخلقيدونيين.

ففى هذا المجمع تم حرم كتابات ثيئودوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها ضد تعاليم القديس كيرلس الكبير، كما تم حرم ثيئودور الموبسويستى وتعاليمه. وللأسف فإن إيباس قد اعتلى كرسى الرها بعد نياحة الأسقف القديس رابولا Rabula من أقوى المدافعين عن تعليم القديس كيرلس الكبير.

ففى خلقيدونية قد تم عزل البابا ديسقوروس وإلغاء الحرومات التى وضعها على ثيئودوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها. فأصبحت أمامنا المشاكل التالية: أنهم فى مجمع خلقيدونية لم يحرموا شخص وتعليم ثيئودور الموبسويستى، وكذلك تعاليم ثيئودوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها التى هى ضد تعليم القديس كيرلس عامود الدين. هذا بالإضافة إلى عزل البابا ديسقوروس، وأنهم لم يتكلموا عن الطبيعة الواحدة التى علّم بها البابا كيرلس الكبير، كما أنهم لم يذكروا الاتحاد الأقنومى. قالوا أن المسيح هو أقنوم واحد لكنهم لم يذكروا شئ عن الاتحاد الطبيعى أو الأقنومى. فاعتبرنا أن مجمع خلقيدونية تشوبه شبهة النسطورية خاصة فى قبوله لاثنين من أكبر أعداء الأرثوذكسية، كانا قد حُرما بواسطة مجمع مسكونى برئاسة بابا الإسكندرية، ثم حاللهم لاون الأول بابا روما قبل مجمع خلقيدونية، وضغط على المجمع حتى يدخلهما إليه ويشركهما فيه، إذ أجبر جنود الإمبراطور المجمع على قبولهما. وكان القديس كيرلس الكبير قد عانى الكثير بسببهما، بل كان الشقاق بين القديس كيرلس ويوحنا الأنطاكى بسبب ثيئودوريت أسقف قورش الذى كتب اثنا عشرة حرماً ضد حرومات القديس كيرلس عامود الدين. وحينما أمر الإمبراطور بحرق كتب نسطور كانت هناك موجة فى الشرق تتجه إلى كتابات ثيئودور الموبسويستى الذى يعتبر أب لنسطور ومعلمه ونشرت كتاباته.

نسطور: [12]  

من مدرسة ثيئودور جاء نسطور، الذى ارتبطت باسمه الحقبة الأولى للنزاع الكرستولوجى الكبير. ولد نسطور فى جرمانيكيا (قيصرية سوريا، كهرمان مراس، فى تركيا حالياً) وهى مدينة بسوريا، ثم أتى إلى أنطاكيا فى سن مبكرة.. والتحق بدير أوبريبيوس فى أنطاكيا (أنطاكيا التى كانت فى ذلك الحين عاصمة الإمبراطورية)، ومن هناك عيّن شماساً ثم قسيساً فى كاتدرائية أنطاكيا.. ونتيجة للشهرة التى نالها بعد موت الأسقف سيسينوس أسقف القسطنطينية (أى البطريرك) فى 24 ديسمبر عام 427م فقد رُفع إلى هذا الكرسى الشهير، وترجّى شعبه أن ينالوا فيه خلفاً لذهبى الفم أسقف القسطنطينية. منذ وقت سيامته فى 10 أبريل عام 428م أظهر إعجاباً عظيماً بعمل الوعظ وحماساً ضد الهراطقة. ففى عظته الأولى خاطب الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير بالكلمات التالية : “أعطنى أيها الإمبراطور الأرض نقية من الهراطقة وأنا سوف أعطيك السماء، ساعدنى لأشن حرباً ضد الهراطقة وأنا سوف أساعدك فى حربك ضد الفرس.”[13]

من هذه الكلمات تظهر نبرته المتكبرة، وكأن السماء تحت أمره. والعجيب أنه بمرور الأيام تصبح الكنيسة الوحيدة اليوم التى تعتبر نسطور قديساً هى كنيسة الفرس فى إمبراطورية فارس Persia.

عندما انعقد المجمع المسكونى فى أفسس عام 431م، كان انعقاده بأمر إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية أى البيزنطية. وكانت هناك حرب مستمرة بين إمبراطورية فارسPersian Empire  والإمبراطورية الرومانية Roman Empire، حتى أن الفرس كانوا يعتبرون أى فارسى تتفق عقيدته مع عقيدة المجمع المسكونى 431م خائناً. ونتيجة لذلك تعرَّض السريان الأرثوذكس سكان إمبراطورية فارس لذبائح شرسة بإيحاء من الأشوريين للإمبراطور بأنهم خونة لأنهم يتبعون قرارات مجمع أفسس المسكونى 431م، أى انهم أتباع  الإمبراطورية الرومانية فى العقيدة.

نسطور – لأنه كان بطريرك القسطنطينية أى تابع للإمبراطورية الرومانية- فقد قال للإمبراطور أنه سيساعده فى الحرب ضد الفرس. تدور الأيام، والآن كنيسة الفرس هى الوحيدة التى تعتبر نسطور قديساً لأنها رفضت مجمع أفسس 431م وظلت محتفظة بتعاليم ثيئودور الموبسويستى التى انتشرت فى الشرق.

أراد نسطور أن يثبت خطأ الأريوسيون. وتساءل الأريوسيون كيف يموت الله الكلمة على الصليب؟ فقالوا إن كان الله الكلمة هو الذى مات على الصليب، إذن اللوغوس مخلوق.. وبذلك أنكروا ألوهيته. فقال نسطور أن الله الكلمة ليس هو يسوع بل سكن فى يسوع، وأنه من أجل كرامة الإله الحال فى الإنسان يعبد الإنسان مع الإله. وبذلك تكون الأريوسية قد أنكرت ألوهية الابن والروح القدس بينما النسطورية أنكرت ألوهية الفادى المخلص وأدخلت الشرك بالله.

وفى رسالة.. ليوحنا أسقف أنطاكية، يؤكد نسطور أنه فى وقت وصوله إلى القسطنطينية وجد خصوماً (متضادين) موجودين فعلاً.  لقّب أحد أطرافهم القديسة العذراء بلقب “والدة الإله”، والآخر بأنها مجرد “والدة إنسان”.  وحتى يتم التوسط بينهما قال إنه اقترح عبارة “والدة المسيح” معتقداً أن كلا الطرفين سوف يرضى بها[14].. من ناحية أخرى فإن سقراط يروى أن “الكاهن أنسطاسيوس صديق نسطور، الذى أحضره معه إلى القسطنطينية قد حذَّر سامعيه يوماً ما، فى عظة أنه لا يجب أن يطلق أحد على مريم لقب والدة الإله qeoto,koj لأن مريم كانت إنسانة والله لا يمكن أن يولد من إنسان”[15]. هذا الهجوم على الاعتقاد القديم والمصطلح الكنسى المقبول حتى ذلك الوقت، سبب هياجاً عظيماً واضطراباً وسط الإكليريكيين والعلمانيين. وتقدّم نسطور نفسه ودافع عن خطاب صديقه فى عدة عظات. واتفق أحد الأطراف (المتضادة) معه، وعارضه الآخر..

وفقاً لهذا التقييم للأمر، فإن نسطور لم يجد النزاع قائماً بالفعل فى القسطنطينية، ولكنه مع صديقه أنسطاسيوس كانا أول من أثاره. ومع ذلك فإن العظات الموجودة لدينا، كما ذكرنا، والتى ألقاها فى هذا الموضوع لا زالت محفوظة لنا جزئياً، وهى كافية بالتمام لدحض تأكيدات الكثيرين غير الدقيقة بأن نسطور فى الواقع لم يعلِّم شيئاً ذا سمة هرطوقية. ففى خطبته الأولى هتف بعاطفة [ إنهم يسألون إن كان من الممكن أن تدعى مريم والدة الإله. لكن هل لله أُم إذاً؟ فى هذه الحالة يجب أن نعذر الوثنية التى تكلمت عن أمهّات للآلهة، لكن بولس لم يكن كاذباً حينما قال عن لاهوت المسيح (عب7: 3) أنه بلا أب، بلا أم، بلا نسب. لا يا أصدقائى لم تحمل مريم الله..  المخلوق لم يحمل الخالق إنما حملت الإنسان الذى هو أداة اللاهوت. لم يضع الروح القدس الكلمة، لكنه أمد له من العذراء المطوبة، بهيكل حتى يمكنه سكناه.. أنا أكرِّم هذه الحُلة التى إستفاد منها من أجل ذاك الذى إحتجب فى داخلها ولم ينفصل عنها.. أنا أفرِّق الطبائع وأوحِّد التوقير. تبصَّر فى معنى هذا الكلام. فإن ذاك الذى تشكّل فى رحم مريم لم يكن الله نفسه لكن الله إتخذه.. وبسبب ذاك الذى اتَّخَذَ فإن المُتَّخَذْ أيضاً يدعى الله ][16]..

من السهل أن نرى أن نسطور قد تبنّى وجهة نظر معلمه ثيئودور الموبسويستى..  وقد أنذره كثير من كهنته بالإنسحاب من شركته ووعظوا ضده. وصرخ الشعب “لدينا إمبراطوراً، لكن ليس لدينا أسقف”. والبعض ومنهم علمانيون تكلّموا ضده علناً حينما كان يعظ، وبالأخص شخصاً بإسم يوسابيوس وهو بلا شك نفس الذى صار فيما بعد أسقف دورليم، والذى على الرغم من كونه علمانياً فى ذلك الوقت، إلا أنه كان أول من كانت له نظرة ثاقبة وعارض الهرطقة الجديدة.  لهذا السبب استعمل نسطور لقب “الرجال البؤساء”[17] عنه وعن بعض الرهبان الذين وجهوا إلى الإمبراطور اتهاماً ضد نسطور واستدعى الشرطة ضدهم، وتم جلدهم وسجنهم[18]. (أى جلد مجموعة من الرهبان ومن ضمنهم يوسابيوس المحامى الذى صار أسقف دورليم فيما بعد).

إن مقتطفات عظة أخرى موجهة كليةً ضد تبادل الخواص communicatio idiomatum  (أى تبادل الألقاب الإلهية والإنسانية للسيد المسيح فى مقابل خواصه الإنسانية والإلهية) وبالتحديد ضد عبارة “تألّم الكلمة”، ولكن خطابه الرابع ضد بروكلوس[19]  هو الأكثر الأهمية ويحوى الكلمات التالية : [ إنهم يدعون اللاهوت معطى الحياة قابلاً للموت، ويتجاسرون على إنزال اللوغوس إلى مستوى خرافات المسرح، كما لو كان (كطفل) ملفوفاً بخرق ثم بعد ذلك يموت.. لم يقتل بيلاطس اللاهوت – بل حُلة اللاهوت. ولم يكن اللوغوس هو الذى لف بثوب كتّانى بواسطة يوسف الرامى.. لم يمت واهب الحياة لأنه من الذى سوف يقيمه إذاً إذا مات.. ولكى يصنع مرضاة البشر إتخذ المسيح شخص الطبيعة الخاطئة (البشرية).. أنا أعبد هذا الإنسان (الرجل) مع اللاهوت ومثل آلات صلاح الرب.. والثوب الأرجوانى الحى الذى للملك..  ذاك الذى تشكَّل فى رحم مريم ليس الله نفسه.. لكن لأن الله سكن فى ذاك الذى اتخذه، إذاً فإن هذا الذى اتُّخِذَ أيضاً يدعى الله بسبب ذاك الذى إتخذه. ليس الله هو الذى تألم لكن الله إتصل بالجسد المصلوب.. لذلك سوف ندعو العذراء القديسة ثيئوذوخوس qeodocoV (وعاء الله) وليس ثيئوتوكوسqeotokoV  (والدة الإله)، لأن الله الآب وحده هو الثيئوتوكوس، ولكننا سوف نوقّر هذه الطبيعة التى هى حُلة الله مع ذاك الذى إستخدم هذه الحُلة، سوف نفّرق الطبائع ونوحّد الكرامة، سوف نعترف بشخص مزدوج ونعبده كواحد ][20].

من كل ما تقدم نرى أن نسطور.. بدلاً من أن يوحّد الطبيعة البشرية بالشخص الإلهى، هو دائماً يفترض وحدة الشخص الإنسانى مع اللاهوت.. لم يستطع أن يسمو إلى الفكرة المجردة، أو يفكر فى الطبيعة البشرية بدون شخصية، ولا اكتسب فكرة الوحدة التى للطبيعة البشرية مع الشخص الإلهى. لذلك فإنه يقول حتماً أن المسيح اتخذ شخص البشرية الخاطئة، ويستطيع أن يوحِّد اللاهوت بالناسوت فى المسيح خارجياً فقط، لأنه يعتبر الناسوت شخصاً كما هو مبيَّن فى كل الصور والتشبيهات التى يستخدمها.

كتابات نسطور المتأخرة :

نسب البعض كتاب “بازار هيراقليدس” Bazar of Heracleides إلى نسطور باعتبار أنه كتبه فى منفاه باسم مستعار.  وقد حاول فى هذا الكتاب -كما يبدو- تبرئة نفسه. ولكنه على العكس أكّد هرطقته المعروفة فى اعتقاده بأن شخص يسوع المسيح ليس هو نفسه شخص ابن الله الكلمة.  أى الاعتقاد باتحاد شخصين اتحاداً خارجياً فقط فى الصورة. وهذا يهدم كل عقيدة الفداء لأن الله الكلمة لا يكون هو هو نفسه الفادى المصلوب مخلّص العالم ولا يصير لكلمات يوحنا الإنجيلى الخالدة “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16) أى معنى. بل كيف يتحقق قول الرب بفم نبيه أشعياء “أنا أنا الرب وليس غيرى مخلّص” (أش43 :11) .

وفيما يلى النصوص التى نسبت إلى نسطور فى الكتاب المذكور Bazar of  Heracleides:

1- هما شخصان Two prosopa : شخص ذاك الذى ألبَس وشخص (الآخر) الذى لَبِس.[21]

(هو لا يقصد هنا prosopon بمعنى وجه فقط لأنه يقول ذاك والآخر فهى تعنى شخص وشخص آخر).

2- لذلك فإن صورة الله هى التعبير التام عن الله للإنسان. فصورة الله المفهومة من هذا المنطلق يمكن أن نظنها الشخص الإلهى. الله سكن فى المسيح وكشف ذاته للبشر من خلاله.  مع أن الشخصان Two prosopa هما فى الحقيقة صورة واحدة لله.[22]

3- يجب ألا ننسى أن الطبيعتين تستلزمان أقنومين وشخصين Two persons (prosopons) متحدين فيه بقرض بسيط (simple loan) وتبادل.[23] (عبارة قرض بسيط تعنى الاتحاد الخارجى وليس الطبيعى، فهو يرفض فكرة الاتحاد الأقنومى)

بداية الصراع بين كيرلس ونسطور[24]

لم يمض زمان طويل على انتشار آراء نسطور من القسطنطينية إلى ولايات أخرى، ومنذ بداية سنة 429م  أن كيرلس رئيس أساقفة الإسكندرية، وجد أنه من الضرورى أن يقدم تعبيراً واضحاً وبسيطاً للعقيدة الأرثوذكسية فى عظة عيد القيامة، لكن بدون ذكر نسطور والأحداث التى حدثت فى القسطنطينية، معلناً بأن ليس اللاهوت بذاته، ولكن اللوغوس الذى اتحد مع الطبيعة البشرية، هو الذى وُلد من مريم[25].

وقد جرت محاولة خاصة لنشر النسطورية بين رهبان مصر الكثيرين، وتم إرسال مبعوثين لهذا الغرض، نشطاء فى هذا المجهود.

(كان نسطور أحياناً كنوع من المراوغة يقول إنه كما أننا نقول عن يسوع أنه الله على سبيل التكريم فقط، فحتى لو قلنا أن العذراء هى والدة الإله فيكون ذلك على سبيل التكريم أيضاً)..

وفى خطاب عقائدى متكامل  إلى الرهبان[26]، يظهر كيرلس الآن كيف أنه حتى أثناسيوس هذا العظيم قد استخدم التعبير “والدة الإله” وأن الكتب المقدسة ومجمع نيقية قد قالت بالاتحاد التام بين الطبيعتين فى السيد المسيح.. إن اللوغوس بذاته لا يمكن أن يدعى المسيح[27]؛ وأيضاً لا ينبغى أن ندعو السيد المسيح حامل الإله qeoforoV متخذاً الناسوت كأداة، ولكن ينبغى أن يُدعى “الله بالحقيقة صار إنساناً”.

إن جسد السيد المسيح ليس جسد أى شخص آخر، ولكنه جسد الكلمة؛ أى أن طبيعة  المسيح البشرية لا تنتمى لأى شخص بشرى، ولكن الشخصية التى تنتمى إليها هو اللوغوس.. وفى الختام فقد قارن أيضاً بين موت السيد المسيح وموتنا. يقول بخصوصنا نحن، أنه الجسد فقط الذى يموت، ولكننا نقول على الرغم من ذلك أن الإنسان مات.. وهكذا الحال مع المسيح. فاللاهوت بذاته لم يمت، ولكن اللوغوس ينتمى إلى طبيعته البشرية فى المكانة الأولى، وهكذا يمكننا القول “أنه قاسى الموت”. كإنسان قاسى الموت ولكن كإله فقد أبطل الموت مرة أخرى؛ ولم يكن يستطيع أن يكمِّل خلاصنا بطبيعته الإلهية إذا لم يحتمل الموت من أجلنا فى طبيعته البشرية.

بلغت رسالة كيرلس هذه  إلى القسطنطينية أيضاً، وأثارت نسطور ليستخدم عبارات عنيفة بشأن زميله السكندرى.  وقام كيرلس بتوجيه خطاب قصير إلى نسطور قال  فيه: لم يكن هو (كيرلس) ورسائله، ولكن نسطور أو صديقه هما السبب فى الفوضى الكنسية السائدة حالياً [28].. أجاب نسطور على ذلك فى سطور قليلة احتوت، فى مجملها، على مديح فى نفسه[29]..

فى الرسالة الأولى لنسطور لم يتعرض البابا كيرلس للعقيدة لكنه أرسل لنسطور يقول: لم نبدأ نحن بالهجوم بل أنتم عندما قلتم محروم من يقول أن العذراء هى والدة الإله. وعاتب نسطور لأنه كان حاضراً فى الكاتدرائية وقتما قال كاهنه هذا الكلام وهو لم يعترضه أو يوقفه؟ وقال إننا ندافع عن إيمان الآباء. لكنه لم يتعرَّض فى هذه الرسالة لأى شروحات عقائدية. أما رسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطور فتسمى الرسالة العقائدية epistola dogmatica (وهى الرسالة الرابعة فى عداد الرسائل التى من القديس كيرلس وإليه) وقد اعتمدها مجمع خلقيدونية نفسه، كما اعتمدت بالإجماع فى الجلسة الأولى من مجمع أفسس 431م.

فى خطاب جديد إلى نسطور (مقصود به هذه الرسالة العقائدية)، حدد كيرلس العقيدة الأرثوذكسية قائلاً: [الكلمة لم يصر جسداً بطريقة تجعل طبيعة الله تتغير أو تتحول…   على النقيض من ذلك فإن اللوغوس قد اتحد أقنومياً مع الجسد sarx المتحرك المحيا بالنفس العاقلة  yuch Logikhوهكذا صار إنساناً بطريقة يتعذر تفسيرها.. إن الطبيعتين المتميزتين قد اتحدتا فى اتحاد حقيقى.. ليس كما لو كان الاختلاف فى الطبائع قد اختفى بالاتحاد (بدأ هنا يوضح أن الاختلاف فى الطبائع استمر بعد الاتحاد)، ولكن على العكس، بأنهما قد شكّلا الرب يسوع المسيح الواحد والابن بالاتحاد غير المنطوق به بين اللاهوت والناسوت.. اللوغوس اتحد مع الطبيعة البشرية فى رحم مريم؛ وهكذا وُلد بعد أن أخد جسداً. وهكذا أيضاً تألم الخ .. وحيث أن اللوغوس فى نفسه غير قابل للألم، فقد احتمل هذا فى الجسد الذى اتخذه “[30]. (إذاً آلام جسده تنسب إليه)

أجاب نسطور.. إننا لا ينبغى أن نقول أن الله وُلد وتألم أو أن مريم كانت والدة الإله؛ لأن ذلك يعتبر وثنياً وأبولينارياً وأريوسياً..

أما كيرلس.. فقد أرسل الشماس بوسيدونيوس Possidonius إلى روما، وأعطاه مذكرة خاصة بيَّن فيها الخطأ النسطورى والعقيدة الأرثوذكسية المعارضة لها.

عندما أرسل البابا كيرلس عامود الدين إلى البابا كليستين أسقف روما (الذى نعتبره قديس) رسالة يشرح فيها العقيدة، رد البابا كليستين على البابا كيرلس برسالة فى منتهى الروعة، قال فيها: لقد غَسَلَت نقاوة تعاليمك كل الأقذار والأوساخ وظلمة العقل التى جلبتها علينا النسطورية. وفى نفس الرسالة قال له اعقد مجمعاً مسكونياً، ولو لم يرجع نسطور  عن أفكاره الخاطئة فى خلال عشرة أيام، وقِّع عليه الحرم عن كنيستك وكنيستى أيضاً.. والمعنى الذى تحمله هذه الرسالة هو أنه لولا تعاليم البابا كيرلس لضاعت الكنيسة، هذا ملخص هذه الرسالة.

كما قال البابا كلستين أنه موافق على كل ما سيقوله البابا كيرلس وعلى أن البابا كيرلس يمثِّل كنيسة روما والإسكندرية معاً. وأعطى تعليمات لمندوبيه الذين حضروا مجمع أفسس[31] بأن يوافقوا فى المجمع على كل ما يقوله البابا كيرلس. وفى اتضاعه كتب إلى البابا كيرلس قائلاً إن نهر تعاليمك النقية قد غسل أقذار تعاليم نسطور وأزاح الظلمات عن عقولنا وأذهاننا. وكأنه يعترف أن البابا كيرلس غسل له عقله من ظلمة هرطقة نسطور أو من الضباب الذى أصاب العقول بسببها، فكانت كلمات البابا كيرلس نوراً مضيئاً أزاح الظلمة.

كان هذا هو الحال وقت انعقاد مجمع أفسس، ولكن للأسف الشديد أن لاون الأول الذى كان شماس البابا كليستين سلك سلوكاً مغايراً. فأية مفارقة هذه بين ما يقوله كليستين لكيرلس وما عمله شماسه فى خليفة كيرلس (البابا ديسقورس) الذى حافظ على تعاليمه ودافع عنها وضحى بكرسيه (أى منصبه) فى سبيل ألا يتنازل عن حرف واحد من تعاليم البابا كيرلس عامود الدين. فبمقدار وفاء البابا ديسقورس لباباه بمقدار خيانة لاون لباباه، لذلك يستحق ديسقورس أن يلقب بطل الأرثوذكسية.

ديسقورس كان يرى فى النسطورية خطر داهم جداً، وقد استغل أوطاخى الموقف وحاول أن يبدو أنه أحد ضحايا التيار النسطورى الموجود فى الشرق، وبذلك بدا فى عينى ديسقورس أنه برئ. ولكن ديسقورس لم يقصد أبداً أن يؤيد تعاليم أوطاخى الخاطئة.

أضف إلى ذلك أن البابا ديسقورس قد تخطى تعبيرات القديس كيرلس اللاهوتية بتعبير مذهل (أنا أتعجب كيف أتى به) فى سبيل أن يؤكد أنه ليس أوطاخياً على الإطلاق. ففى أيام البابا كيرلس لم تكن هرطقة أوطاخى قد ظهرت بعد لذلك كانت تعبيراته مسترسلة، سهلة، وليست متخذة حرص ضد الأوطاخية فى كل الأوقات (وإن كان قد اتهم فى بعض الأوقات بأنه يمزج الطبيعتان فدافع عن هذه النقطة، ولكن هذا فى مرحلة متأخرة من رسائله). أما البابا ديسقورس فعندما حضر إلى مجمع خلقيدونية طلبوا منه أن يقول “طبيعتين من بعد الاتحاد”. قال: إن هذا مستحيل ولكن ممكن أن أقبل تعبير “من طبيعتين بعد الاتحاد”.

هذا التعبير لم يقله البابا كيرلس أبداً، ولعلكم تستغربون هل معنى هذا أن البابا ديسقورس ترك تعليم كيرلس عامود الدين؟ الإجابة هى: لا بالطبع، ولكن البابا كيرلس قال تعبيرين: “طبيعة واحدة متجسدة بعد الاتحاد” و “أنه من طبيعتين” وأن هذه الطبيعة الواحدة هى طبيعة مركبة composite nature وأقنوم مركب composite hypostasis. فمن ذكاء البابا ديسقورس أنه جاء بتعبير لم يذكره القديس كيرلس، لكن أكّد به عقيدة القديس كيرلس، فقال: من الممكن أن أعترف أن المسيح “من طبيعتين بعد الاتحاد”. لو أنه قال من طبيعتين فى الاتحاد، لكان من الممكن أن تذوب إحداهما فى الأخرى، لكن “من طبيعتين بعد الاتحاد” أى أن الطبيعتان استمرتا موجودتين فى الاتحاد وكوّنتا معاً طبيعة واحدة.. فقال “أؤمن بطبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة من طبيعتين بعد الاتحاد” out of two natures after the union  أى ظل الاتحاد مكوّن من طبيعتين، ولم تتلاشى إحدى الطبيعيتن.

عندما اتهموا القديس كيرلس بأنه أذاب طبيعة فى الأخرى بقوله “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”

Mia fusiV tou Qeou Logou sesarkwmenh

جاوبهم القديس كيرلس بأن كلمة “متجسدة” تثبت استمرار الناسوت أى الطبيعة الإنسانية، بمعنى إن الناسوت لم يذب فى الطبيعة الإلهية، كما أن عبارة “الله الكلمة” تؤكّد استمرار اللاهوت أى الطبيعة الإلهية. لذلك تكلم القديس كيرلس عن الاستمرارية continuity  وقال:

The two natures persist (to exist) after the union

قال القديس ديسقوروس أيضاً فى مجمع خلقيدونية، إنه لو علّم أحد تعليماً ضد تعليم الآباء (إن كان أوطاخى أو غيره)، ليس فقط ينال الحرم، بل يُرسل للجحيم. لئلا تظنوا أنه بعد أن برأ أوطاخى سنة 449م ظل يدافع عنه فى خلقيدونية سنة 451م.

وعلى الرغم من قوله هذا، وبعد أن كانوا قد أجلسوا البابا ديسقوروس فى الجلسة الأولى على كرسى رئاسة المجمع، إلا إنه فوجئ بمؤامرة مدبرة، وبدأت الهتافات فى صف لاون بابا روما. وشعر البابا ديسقوروس أن هذا المجمع عبارة عن مؤامرة سياسية لتأييد كسر نذر بولكاريا وزواجها من مركيان.[32] وشعر أن هذا المجمع كان هدفه هو إرضاء لاون الأول بابا روما وتبرئة طومس لاون. وعند تبرئتهم لطومس لاون، قال الأساقفة اليونانيين الذين يجيدون اليونانية أن هذا الطومس هو ضد تعليم البابا كيرلس عمود الدين، ونحن لا نقبل طومس لاون. نحن نقبل فقط تعليم البابا كيرلس عامود الدين، ونحرم أوطاخى.

جاء الأساقفة ذوو النية الصادقة إلى مجمع خلقيدونية لكى يحرموا هرطقة جديدة ظهرت، هى هرطقة أوطاخى، التى لم تكن قد انكشفت حقيقتها بعد فى وقت مجمع أفسس الثانى 449م بسبب مخادعة أوطاخى، لذلك اجتمع مجمع خلقيدونية ليحرم الأوطاخية –كما اجتمع مجمع أفسس من قبل ليحرم النسطورية- وبهذا المفهوم ذهب البابا ديسقورس للمجمع ومعه 14 أسقف مصرى ليؤيّد حرم أوطاخى، ففوجئ بمظاهرة لتأييد لاون وطومسه.

بدأ الأساقفة اليونانيين يعارضون طومس لاون، فطلب المجمع من هؤلاء الأساقفة أن يدرسوا الطومس لمدة خمسة أيام كلٍ على حِدة، ولكن هذا تم تحت تهديد ضباط الإمبراطور إن لم يوافقوا على الطومس، وبالفعل قبل استكمال الخمسة أيام أعطوا رأيهم بالموافقة على الطومس وقالوا إنه يتفق مع تعاليم البابا كيرلس عامود الدين.

وردت فى طومس لاون تعبيرات تحمل معنيين أو تحتمل تفسيرين، أحدهما من الممكن أن يُؤخذ على محمل نسطورى، والآخر من الممكن أن يُقبل بكونه سليم إيمانياً.[33] والبابا ديسقوروس لم يحرم الطومس إلا عندما وجد أن لاون قد حالل أسقفان نسطوريان من كبار أعمدة النسطورية. فتيقظ إلى أن التعبيرات التى تحمل المعنيين متساهلة مع النسطورية. لذلك عندما ضغط ضباط الإمبراطور على الأساقفة اليونانيين، اضطروا لأن يرجّحوا المعنى البرئ بالطومس، وقالوا يُقبل طومس لاون كوثيقة من وثائق المجمع، ولكن ليس هو إيمان مجمع خلقيدونية، ويُقبل فقط على أساس إيمان القديس كيرلس. وقال الأساقفة الحاضرون أنهم يضعون النص العقائدى لمجمع خلقيدونية على أساس طومس الأب المكرم لاون. إلا أن النص العقائدى لمجمع خلقيدونية كان أفضل حالاً من طومس لاون، ولكن كانت به بعض النواقص: لأنه بعد أن وردت عبارة “من طبيعتين” فى النص اليونانى، وردت عبارة “فى طبيعتين” فى النص اللاتينى، وبعد انقضاء المجمع تم تغير النص اليونانى وكتبت عبارة “فى طبيعتين”. كما أن هذا النص ذكر  upostasiV  أقنوم واحد لله الكلمة المتجسد لكن لم يذكر شئ عن الاتحاد الأقنومى. وقد هوجم مبدأ الطبيعة الواحدة بسبب الأوطاخية، وتقرر أن من يمزج الطبيعتين وينادى بالطبيعة الواحدة يكون محروماً.

ثم حكموا بعزل البابا ديسقوروس. ولكن رئيس المجمع أناطوليوس بطريرك القسطنطينية الذى تولى رئاسة المجمع بعد البابا ديسقورس (وقد كان للأسف أحد تلاميذ البابا كيرلس عامود الدين) قال فى المجمع عبارات فى صف البابا ديسقوروس وهى: أن البابا ديسقورس لم يُعزل لأسباب عقائدية لكنه قد عُزل لأسباب إدارية وقانونية:

  • حيث إنه حرم فلافيانوس بطريرك القسطنطينية ويوسابيوس أسقف دوريليم.
  • وأنه لم يقرأ طومس لاون فى مجمع أفسس الثانى 449م.
  • وخطأه فى إدارته لمجمع أفسس الثانى 449م.
  • وموقفه ضد البابا الرومانى الذى اعترف له مجمع خلقيدونية وأعطاه مكانة لم تكن موجودة أصلاً فى تراث الكنيسة.

فقد أصدر مجمع خلقيدونية بعض قرارات أعطت للبابا الرومانى وضع أكبر من حجمه. ومن ذلك التاريخ فصاعداً بدأت الغطرسة الرومانية التى أدّت فى النهاية إلى عصمة بابا روما، وإلى صكوك الغفران، ومحاكم التفتيش، وثورة الإصلاح البروتستانتى، وأدّت أيضاً إلى الانشقاق الحادث بين القسطنطينية وروما سنة 1054م نتيجة بدعة انبثاق الروح القدس.. فبعد أن انفردت روما سنة 1054م عن أى كنيسة أخرى، بدأت تنحرف وظهر منها بدعة المطهر، واستمرت فى بدعة انبثاق الروح القدس، ثم أصدرت بدعة خلاص غير المؤمنين، وبدعة الزواج بغير المؤمنين. ثم كل الهرطقات الكاثوليكية التى حدث بعدها الانشقاق البروتستانتى فى القرن السادس عشر، وثورة الإصلاح، والتى صارت بدورها منبعاً للبدع والهرطقات التى ملأت العالم كله مثل الأدفنتست وشهود يهوه والمورمون و..إلخ

بالطبع “قبل الكسر الكبرياء” فكل الهرطقات التى ظهرت فى العالم كانت من الكنيسة الكاثوليكية مباشرة أو من الكنائس التى كانت قبلاً كاثوليكية ثم تحوّلت مثل كنيسة انجلترا التى انشقت سنة  1538م، ومارتن لوثر الذى حُرم سنة 1521م، الذى كان راهباً كاثوليكياً وتزوج براهبة، ومنه خرجت بدعة الأدفنتست وشهود يهوه والمورمون (يؤمن المورمون بأن الله الآب كان رجلاً وقد تزوج وأنجب أطفال، ثم تحوّل إلى إله، وكان يسوع المسيح من ضمن الأطفال الذى أنجبهم الآب!!).

لم تخرج أى هرطقة من كرسى الاسكندرية أو كرسى القسطنطينية، لأنهم لم يدَّعوا لأنفسهم أحقية رئاسة الكنيسة فى العالم كله، بمعنى أنه لم تلزم كنيسة الاسكندرية أو كنيسة القسطنطينية كل الكنائس بالخضوع لكرسى الاسكندرية أو كرسى القسطنطينية.

وعلى الرغم من أن نسطور كان بطريركاً للقسطنطينية ألا أن النسطورية لم تستمر فى القسطنطينية. وبعد عزل بطريرك القسطنطينية نسطور استمرت النسطورية فى الشرق فى الكنيسة الأشورية النسطورية، بعيداً عن القسطنطينية، فى منطقة ليست تحت سلطان القسطنطينية وذلك نتيجة لانتشار تعليم ثيئودور الموبسويستى. أما القسطنطينة بكاملها فقد رفضت النسطورية إلى يومنا هذا.

كما أن الأريوسية قد اندحرت تماماً وإن كانت قد ظهرت فى الاسكندرية. وأيضاً قد صدر حكم ضد مقدونيوس وأبوليناريوس وسابيليوس ونسطور و..ألخ  ورفضتهم كنائسهم وتحولت إلى كنيسة أرثوذكسية ترفض التعاليم الخاطئة.

أما من جهة الغرب –كنيسة روما- فالهرطقات التى خرجت منها هى من نفس بلادها: مثل كالفن فى سويسرا، لوثر فى ألمانيا. كلها بلاد تحت حكم الكنيسة الكاثوليكية وداخل بلادها. لدرجة إنه قد حدثت حرب داخل ألمانيا واستولى البروتستانت على جزء من ألمانيا، وظل جزء من ألمانيا كاثوليكى إلى يومنا هذا، حتى أن الكنائس البروتستانتية فى ألمانيا حالياً تحتوى ما يخص الكاثوليك من تماثيل وغيرها وحتى طراز البناء كاثوليكى.

مجمع روما (430م) :

بناءً على ما سبق، عقد البابا كليستين مجمعاً فى روما (430م) تقرر فيه تأكيد لقب العذراء “والدة الإله” وأعلن فيه أن نسطور هو هرطوقى[34]. وأرسل البابا كليستين إلى البابا كيرلس السكندرى تفويضاً فى إصدار حكم علنى ضد نسطور إذا استمر كما هو. وجاء فى هذا الخطاب :

[ دعه يعرف أنه لا يستطيع أن يشترك فى شركتنا إن ظل فى هذا الطريق المنحرف بمعارضته للتعليم الرسولى. وبناءً على ذلك، حيث إن التعليم الأصيل لكرسينا هو فى اتفاق معكم، فتمم هذا القرار بحسم دقيق مستخدماً خلافتنا. وفى خلال عشرة أيام ابتداءً من يوم هذا التذكير، ينبغى عليه إما أن ينقض عظاته الرديئة بإعتراف مكتوب ويؤكد بقوة أنه هو نفسه يعتنق الإيمان بخصوص ميلاد المسيح إلهنا، الذى تعتنقه كنيسة روما وكنيسة قداستكم كما يعتنقه الأتقياء فى كل العالم، وإذا لم يفعل هذا، فقداستكم، بسبب عنايتكم بتلك الكنيسة، تعلم فى الحال أنه يجب أن يُبعد من جسمنا بكل طريقة..   وكتبنا هذا نفسه إلى إخوتنا القديسين وزملائنا الأساقفة، يوحنا (أنطاكيا)، وروفس (تسالونيكى)‎، ويوفينايوس (أورشليم)، وفلافيانوس (فيلبى)، لكى يكون حكمنا بخصوصه – أو بالحرى حكم المسيح الإلهى ظاهراً.] [35]

مجمع الإسكندرية (430م) :

عقد البابا كيرلس مجمعاً  فى الإسكندرية (430م) واعتمد المجمع نص رسالة البابا كيرلس الثالثة إلى نسطور (فهى رسالة مجمعية من مجمع الاسكندرية  وليست رسالة شخصية من البابا كيرلس) وهى التى تتضمن الحروم الاثنى عشر ومطالبة نسطور بالإعتراف بها.

كذلك أرسل المجمع رسالتين أخريتين واحدة إلى إكليروس وشعب القسطنطينية والأخرى إلى رهبان القسطنطينية.

وقام وفد من الأساقفة والكهنة المصريين بتسليم الرسالة فى يوم الأحد بالكاتدرائية بالقسطنطينية إلى نسطور ومعها الوثائق المرسلة من روما.

قام نسطور بعدها بتقديم شكوى ضد البابا كيرلس إلى الإمبراطور ثيئودوسيوس كما قام بنشر اثنى عشر حرماً مضاداً لحرومات البابا كيرلس، متهماً البابا كيرلس بالهرطقة.[36]

فى الحرم السابع أنكر نسطور تماماً أن المولود من العذراء مريم هو هو نفسه الابن الوحيد الجنس المولود من الآب قبل كل الدهور ونصه كما يلى:

[ إذا قال أحد أن الإنسان الذى تكوَّن من العذراء هو إبن الله الوحيد، الذى ولد من حضن الآب قبل كوكب الصبح، ولا يعترف بالأولى أنه حصل على مكانة ابن الله الوحيد لارتباطه مع ذاك الذى بالطبيعة هو ابن الله الوحيد المولود من الآب؛ بالإضافة إلى ذلك، إذا دعاه أحد باسم آخر غير المسيح عمانوئيل؛ فليكن محروماً ].[37]

يوضح هذا النص -بعيداً عن التعبيرات اليونانية التى يختلف أحياناً فيها اللاهوتيون- أن نسطور اعتبر أن المولود من العذراء هو إنسان وليس هو ابن الله الوحيد، فجعل ابن الله هو واحد، وابن الإنسان هو آخر غيره.

بداية وصراع ونصرة مجمع أفسس :

تم اقتراح عقد مجمع مسكونى بعد مدة طويلة من الخلاف النسطورى لتسويته. وقد طلب ذلك بوضوح كل من الأرثوذكس ونسطور[38] (أراد نسطور أن يحتمى فى الامبراطور عندما وصلته حرومات من روما ومن الإسكندرية، فطلب من الإمبراطور أن يعمل مجمع ليحميه) وقد تكلم نسطور عن ذلك فى خطابه الثالث إلى البابا كليستين وبالطريقة نفسها اشتكى رهبان القسطنطينية فى خطاب إلى الإمبراطور من سوء معاملة نسطور لهم، وعبروا فيه عن رغبتهم بصوت عالى لطلب هذا العلاج الكنسى.[39] وبالفعل وصل الإمبراطور ثيئودوسيوس الثانى إلى القسطنطينية يوم 19 نوفمبر عام 430م، قبل بضعة أيام من حرومات كيرلس، وأصدر منشوراً به اسم زميله الغربى – فالنتينيان الثالث – وموجهاً إلى جميع المطارنه دعاهم فيه لاجتماع مسكونى فى أفسس  فى عيد العنصرة (7 يونيو) من السنة التالية 431[40].. وأن كل من يصل متأخراً سيكون مسئولاً مسئولية جسيمة أمام الله والإمبراطور.

وكان نسطور مع أساقفته الستة عشر بين الأوائل الذين وصلوا أفسس.[41] وقد انتظر الآباء وصول البطريرك يوحنا الأنطاكى لمدة ستة عشر يوماً بعد الموعد المحدد. لكنه لم يصل إلى أفسس (كان يوحنا الأنطاكى قد أرسل إلى المجمع بأن هناك معطلات فى الطريق تؤخره عن الوصول، وطلب منهم أن يبدأوا المجمع). ثم بدأ المجمع برئاسة البابا كيرلس الأسكندرى فى يوم 22 يونيو فى كاتدرائية والدة الإله بأفسس. وبعد استدعاء نسطور ثلاث مرات رفض الحضور إلى المجمع وقُرئ خطاب القديس كيرلس الثانى إلى نسطور ورد نسطور عليه.

“بعد ذلك تمت قراءة وثيقتين أخريتين وهما تحديداً خطاب كليستين والمجمع الرومانى، وخطاب كيرلس السكندرى إلى نسطور[42]؛ وتم سؤال الأربعة من الإكليروس الذين أرسلهم كيرلس ليسلموا هذه الوثيقة إلى نسطور عن نتيجة مهمتهم.  وقد أجابوا  بأن نسطور لم يعطهم رداً على الإطلاق.  ومع ذلك، من أجل التأكد من أنه ما زال مصمماً على خطئه، تم سؤال أسقفين: ثيئودوتس أسقف أنقيرا Ancyra وأكاكيوس أسقف ميليتينMelitene  إذ كانت تربطهم بنسطور صداقة شخصية، وكانوا خلال اليومين الثلاثة الماضية فى مناقشات مألوفة معه، محاولين أن يحولوه عن خطأه.. وقد أعلنوا للأسف بأن جميع مجهوداتهم معه كانت سدى[43]“. [44]

كانت إجابة نسطور لهؤلاء الأساقفة [ لن أدعو أبداً طفلاً عمره شهرين أو ثلاثة “الله”][45].

ومع ذلك، بناء على اقتراح قدمه فلافيان أسقف فيليبى ومن أجل تقديم النقطة العقائدية موضوع النقاش لدراسة شاملة، وفى ضوء أدلة الآباء، تمت قراءة عددٍ من كتابات آباء الكنيسة، التى يرد فيها التعبير عن الإيمان القديم بخصوص اتحاد اللاهوت والناسوت فى المسيح..

بعد ذلك، وبعكس هذه الفقرات الآبائية قد تمت قراءة عشرين فقرة، بعضها طويل وبعضها قصير، من كتابات نسطور، تحتوى على آرائه الأساسية، والتى قدمناها أعلاه، وتم التعبير عنها فى قطع مختلفة وبصورة محسوسة[46]. صرخ جميع الأساقفة معاً : “إذا لم يحرم أى شخص نسطور فليكن هو نفسه محروماً، أن الإيمان الصحيح يحرمه والمجمع المقدس يحرمه.  وإذا كان لأى شخص شركة مع نسطور فليكن محروماً. نحن جميعاً نُحرم نسطور الهرطوقى وأتباعه وعقيدته المضادة للتقوى impious. نحن جميعاً نحرم نسطور غير التقى impious asebh .. إلخ” [47]

قرر.. المجمع المقدس أن يكون نسطور مفصولاً من كرامة الأسقفية ومن كل شركة كهنوتية.. هذا الحكم وقّع عليه فى البداية 198 أسقفاً حاضرين. بعد ذلك إنجاز آخرون إلى هذا الجانب حتى بلغ مجموع الموقعين 200 (مائتين).

بعد انقضاء بضعة أيام، فى يوم 26 يونيو، وصل يوحنا الأنطاكى إلى أفسس، وأرسل المجمع فوراً وفداً مفوضاً لمقابلته، مكوناً من عدة أساقفة وإكليريكيين، تعبيراً عن الاحترام اللائق له وفى نفس الوقت لإبلاغه بعزل نسطور.. وبعد وصوله مباشرةً عقد فى منزله مجمعاً مع أتباعه.. البالغ عددهم ثلاثة وأربعون عضواً بما فيهم شخصه. وأعلن الحكم بعزل البابا كيرلس الأسكندرى وممنون أسقف أفسس من كافة الوظائف الكهنوتية وبالحرم من الشركة وجميع من وافقوا على الحكم ضد نسطور حتى يعترفوا بخطئهم ويحرموا تعاليم البابا كيرلس”.[48]

“وتقدم الطرفان إلى الإمبراطور، وكلاهما يطلب مساندته، وتأزم الأمر جداً حتى أن المجمع ظل منعقداً حتى 11 سبتمبر من العام نفسه، وأصدر الإمبراطور قراراً بخلع كيرلس وممنون ونسطور، ولكن بعد فترة قصيرة أعيد كيرلس وممنون إلى كرسيّهما وأرسل نسطور إلى دير أوبريبيوس Euprepius وفى عام 435م نُفى إلى البتراء Petra فى البادية العربية وبعد ذلك إلى صحراء مصر، حيث مات حوالى عام 449م”.[49]

إعادة الوحدة عام 433م :

لم ينه رحيل نسطور الخلاف، فقد تحطمت أواصر الشركة بين الطرفين وسعى الإمبراطور نفسه مستخدماً سلطانه ونفوذه ليعيد السلام، وبالفعل حققت مساعيه النتائج المرجوة. وفى عام 433م  أرسل يوحنا الأنطاكى بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية ومعه اعتراف بالإيمان (أى وثيقة تعلن إيمان يوحنا) وقبله كيرلس، وأرسل إلى يوحنا رسالته المشهورة التى أعادت الوحدة، والتى تضمنت جزءًا من اعتراف يوحنا يؤكد وحدة شخص السيد المسيح والاستمرارية غير المختلطة وغير الممتزجة للاهوت والناسوت فيه.[50]

وورد فى هذا النص ما يلى : [ نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسم، وهو مولود من الآب قبل الدهور بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه فى الأيام الأخيرة، من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه، له الجوهر نفسه مع الآب، بحسب لاهوته، وله نفس الجوهر الذى لنا بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هى “والدة الإله”، لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس، ومنذ الحمل به اتحد بالهيكل الذى أخذه منها، مع ذاته. ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد، ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التى تليق بالله ينسبوها إلى لاهوت المسيح، أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبونها إلى ناسوته.][51]

تأزُّم  الموقف [52]

لم تنجح إعادة الوحدة عام 433م  فى تحقيق الاستقرار والوحدة الكاملة بين الجانبين. فالسكندريون (أى الجماعة المؤيّدة للقديس كيرلس) شعروا بأن كيرلس قدم تنازلات كثيرة للأنطاكيين، أما الأنطاكيون فشعر بعضهم بالاستياء وعدم الرضى عن استبعاد نسطور وإدانته.

غير أن كيرلس كان قوياً ونافذ القول بقدر كاف لاحتواء أتباعه؛ فأرسل كثير من الرسائل إلى أصدقائه مثل أكاكيوس أسقف ميليتين وفاليريان أسقف إيقونية شارحاً كيف أن المصالحة مع يوحنا الأنطاكى لا تتعارض مع شرحه السابق للعقيدة فى رسائله إلى نسطور، ولا مع عقيدة مجمع أفسس.

أما الأنطاكيون، فلم يكونوا كلهم موافقين على إعادة العلاقات أو على الوحدة. وبالرغم من وجود رجال قبلوا إعادة الوحدة وظلّوا مخلصين لبنود الاتفاق الذى تم التوصل إليه سنة 433م، مثل يوحنا الأنطاكى وأكاكيوس أسقف حلب، إلا أنه كان هناك آخرون فى الجانب الأنطاكى غير راغبين فى الإذعان والخضوع للبطريرك الأنطاكى.

وهؤلاء كانوا يمثلون إتجاهين:

من ناحية: كان هناك السيلسيانيون المعارضين لكيرلس ولإعادة الوحدة.

ومن الناحية الأخرى: كان هناك رجال مثل ثيئودوريت أسقف كورش Cyrus Theodorete of الذى لم يقبل إدانة نسطور.

وتدخّل الإمبراطور وخضع الكثير من هؤلاء الأساقفة، إلا أن خمس عشر منهم عاندوا فكان مصيرهم الخلع، وفى عام 435م قبِل ثيئودوريت إعادة الوحدة ولكن بدون إدانة نسطور، وهكذا لعب ثيئودوريت أسقف قورش المجادل المقتدر، دوراً مؤثراً فى الجدال الذى تلا إعادة الوحدة.

إعادة الوحدة تُفسَّر بطرق مختلفة [53]

تفاقم التوتر بين الجانبين لأن إعادة الوحدة لم تُفهم بالمعنى نفسه من قبلهما. فالسكندريون من جهتهم، نظروا إليها كأمر جعل الأنطاكيين يقبلون مجمع سنة 431م بدون أى شروط أو تحفظات، وكيرلس نفسه فهم الأمر بهذا المعنى وأوضح لمؤيديه عندما سألوه. وهذه النظرة الكيرلسية –كما سنرى فيما بعد- أكد عليها ساويروس الأنطاكى باقتدار فى القرن السادس[54]، وكان للسكندريين تبريرهم الكافى لهذا الموقف. ألم يوافق الأنطاكيون، على سبيل المثال، على أن يسحبوا اعتراضاتهم الثلاثة على مجمع أفسس؟ ألم يعيدوا العلاقات مع كيرلس السكندرى من دون أن يجعلوه يتراجع عن حروماته (الاثنى عشر) أولاً؟

وبالرغم من أن شرعية هذا الدفاع السكندرى لا يمكن أن تُدحض، إلا أن ثيئودوريت  أسقف كورش ومؤيديه كانوا غير راغبين فى التسليم والإقرار به. ومضى ثيئودوريت، من جهته، قدماً فى الاعتقاد بأن إعادة الوحدة سنة 433م ألغت كل قرارات المجمع سنة 431م، التى لم يقرّوها إقراراً تاماً (إيجابياً)، وتاياً بذلوا قصارى جهدهم ليؤسسوا ويقيموا لاهوتاً أنطاكياً قوياً (أى متطرفاً) على أساس صيغة إعادة الوحدة (بحسب مفهومهم الخاص)، وسعوا كذلك لوضع رجالهم المؤيدين لهم فى الأماكن والمناصب الرئيسية والأساسية لينشروا هذا اللاهوت، وظنوا أنهم يستطيعون تحقيق ذلك عن طريق الاعتراف برسالة كيرلس الثانية إلى نسطور كوثيقة إيمان، بالإضافة إلى صيغة إعادة الوحدة نفسها. ولعل الأنطاكيين فى اعترافهم بالرسالة الثانية قد فسّروا عبارة “اتحاد أقنومى” hypostatic union الموجودة فى الرسالة كمرادف لعبارة “اتحاد بروسوبونى” أى “اتحاد أشخاص”prosopic union، بالرغم من أن كيرلس رفض هذه العبارة فى رسالته. وفى سعيهم لتطوير لاهوتهم كان من المستشعر أنهم لابد وأن يعترفوا ويعلنوا أن ديودور أسقف طرسوس Tarsus، وثيئودور أسقف موبسويستيا  Mopsuestia هم أساتذتهم اللاهوتيين. ونُشرت أعمالهما، بل وكتَبَ ثيئودوريت نفسه دفاعاً عنهما، وما أن تم هذا حتى فنّده البابا كيرلس ودحضه. وقد أجلس الأنطاكيون (المتطرفون) أيضاً رجالاً من مؤيديهم فى كراسى أسقفيات هامة، وكان إيباس واحد من هؤلاء وقد أُجلس على كرسى الرها فى سنة 435م. وقدم الجانب الأنطاكى أيضاً تبريرات لأعماله هذه، فقد قالوا على سبيل المثال، إنهم لم يستطيعوا فهم الجمل السكندرية التالية: اتحاد أقنومى، أقنوم واحد، طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة. بل رأوا فيها معنى أبولينارياً، وقالوا إنهم لم يقبلوا حرومات كيرلس[55].

معنى الاتحاد الأقنومى :

Hypostatic union – enwsiV kaq upostasin

كلمة أقنوم upostasiV عند القديس كيرلس تعنى الشخص proswpon مع الطبيعة fusiV التى يحملها. وعبارة الاتحاد الأقنومى enwsiV kaq upostasin عنده لا تعنى إطلاقاً اتحاد أشخاص بل اتحاد طبائع فى شخص واحد بسيط، اتحاداً طبيعياً أو بحسب الطبيعة enwsiV kata fusin. أى أن عبارة الاتحاد الأقنومى بمنتهى الوضوح تعنى عند القديس كيرلس اتحاد طبيعتين اتحاداً طبيعياً فى شخص واحد بسيط.

موقف القديس كيرلس :

فى هذه الفترة شعر القديس البابا كيرلس بمحاولة الأساقفة المعجبين أو المتمسكين بنسطور وتعاليمه إعادة النسطورية إلى الشرق فى المناطق المحيطة بالكرسى الأنطاكى، فكتب إلى يوحنا الأنطاكى والمجمع الأنطاكى وإلى أكاكيوس أسقف ميليتين وإلى الإكليروس ولمبونوس الكاهن وإلى الإمبراطور ثيئودوسيوس محذراً من التيار النسطورى الذى يحاول أن يتخفى خلف تعاليم ثيئودور الموبسويستى وديودور الطرسوسى معلمى نسطور. ثم كتب إلى بروكلس أسقف القسطنطينية حول تداعيات هذا الموضوع، وإلى رابولا أسقف الرُها رداً على الرسالة التى بعث بها إليه، مادحاً إياه على وقوفه ضد تعاليم ثيئودور الموبسويستى والتيار النسطورى فى الشرق.

ونقتبس من رسالة القديس كيرلس إلى الإمبراطور ثيئودوسيوس ما يلى: [ كان هناك شخص ما اسمه ثيئودور وقبله ديودور، الآخير أسقف طرسوس والأول أسقف موبسويستيا، هذان كانا أبوى تجديف نسطوريوس. ففى الكتب التى ألّفاها، تكلما بجنون شديد ضد المسيح مخلصنا جميعاً، لأنهما لم يفهما سره، وأراد نسطور أن يُدخل تعاليمهما فى وسطنا ولذلك عزله الله.

ومع ذلك فبينما حرم بعض أساقفة الشرق تعاليمه، فإنهم بطريقة أخرى يدخلون الآن هذه التعاليم نفسها أيضاً حينما يبدون إعجابهم بتعاليم ثيئودور ويقولون إنه كان يفكر تفكيراً صحيحاً يتفق مع آبائنا، أعنى أثناسيوس وغريغوريوس وباسيليوس. ولكنهم يكذبون ضد الرجال القديسين. فكل ما كتبه هؤلاء (القديسون) هو على عكس آراء ثيئودور ونسطور الشرير. ][56].

تغيُّر القيادة :

عندما كان البابا كيرلس السكندرى والبطريرك يوحنا الأنطاكى على قيد الحياة كان هناك سلام بين الطرفين. ولكن البطريرك يوحنا تنيح عام 442م وأعقبه البابا كيرلس فى عام 444م.

وبدأ ثيئودوريت أسقف قورش يحاول نشر الفكر النسطورى فى الشرق وكتب عام 447م كتابه المعنون Eranistes الذى قصد به تشويه تعليم آباء الإسكندرية، خاصة القديس كيرلس الكبير والسخرية منه. فأثار هذا الكثير من المعارضة حتى صدر مرسوم إمبراطورى فى 18 أبريل عام 448م يحرم نسطور وكتاباته وأتباعه، وأمر ثيئودوريت بالبقاء فى كرسيه فى قورش، وكذلك أثار إيباس Ibas أسقف الرها، رد فعل عظيم بسبب رسالته إلى ماريس الفارسى ضد تعاليم القديس كيرلس الكبير.

هرطقة أوطيخا :

كرد فعل على النشاط النسطورى فى الشرق، ظهر تعليم متطرف فى الدفاع عن عقيدة الطبيعة الواحدة المتجسدة لكلمة الله التى علّم بها القديس كيرلس الكبير وذلك فى شخص أوطيخا رئيس دير أيوب بالقسطنطينية.

ادّعى أوطيخا، الذى كان صديقاً للبابا كيرلس، أنه تلقى من اللاهوتى السكندرى العظيم نسخة من قرارات مجمع أفسس 431م، واحتفظ بها منذ ذلك الحين، وكان مؤيّداً قوياً لا يكل للجانب السكندرى فى العاصمة، ولأنه كان رئيس دير أيوب فى الربع (الحى) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عاماً، ومن خلال ابنه بالمعمودية (الذى هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفى البلاط الملكى استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسى ملبداً بغيوم الخلاف بين الجانب السكندرى ونظيره الأنطاكى، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضه من الأنطاكيين لأنه كان متعصباً جداً للسكندريين، وهذا زاد من حدة التوتر.[57]

بدأ أوطيخا يدافع عن عقيدة الطبيعة الواحدة، فسقط فى الهرطقة المعروفة باسمه. والتى تعنى أن الناسوت قد ذاب فى اللاهوت مثلما تذوب نقطة الخل فى المحيط. أى أن الطبيعتين قد امتزجتا معاً فى طبيعة واحدة. ومن هنا جاءت تسميته مونوفيزيتس monofusithV لأن عبارة “مونى فيزيس” monh fusiV تعنى “طبيعة وحيدة” وليس “طبيعة واحدة” أى “ميا فيزيس” mia fusiV

وقد زار أوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[58] فى ديره بالقسطنطينية مرات عدة واكتشف أن عقيدته غير أرثوذكسية، إذ يعتقد بالامتزاج.

مجمع القسطنطينية المكانى 448م :

فى هذا المجمع ( 8-22 نوفمبر 448م ) الذى رأسه فلافيان بطريرك القسطنطينية وحضره 32 أسقف، أدين وعزل وحرم أوطيخا بناءً على شكوى من يوسابيوس أسقف دوريليم، وبناء على شهادة يوحنا الكاهن والشماس أندراوس الذين أرسلهما المجمع لمقابلته، لأنه أصر على أن الجسد الذى أخذه ربنا يسوع من مريم العذراء لم يكن من طبيعتنا وجوهرنا نفسهما. وبناء على تردده فى إيضاح عقيدته حينما حضر أمام المجمع وقدم إقراراً بالإيمان رفض أن يقوم بقراءته. [59] ووقّع على الحرم 30 أسقف  و23 أرشيمندريتاً. ولأول مرة تم إقرار صيغة “طبيعتين من بعد الاتحاد” للسيد المسيح. وحدثت قلاقل كثيرة فى القسطنطينية، وقدّم أوطيخا شكوى ضد المجمع المكانى إلى الإمبراطور، الذى دعا البابا ديسقوروس ليرأس مجمعاً مسكونياً فى أول أغسطس 449م فى أفسس، وطلب من جوفينال أسقف أورشليم، وتالاسيوس أسقف قيصرية كبادوكيا أن يكونا رئيسين مساعدين معه، وأرسل مرسوماً إمبراطورياً إلى ديسقوروس يطلب منه السماح لبارصوماس (وهو أرشمندريت سورى مؤيد للجانب السكندرى) بالمشاركة فى المجمع.

موقف كنيسة الإسكندرية :

شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيئودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها فى الشرق، تلك التى تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندرى. وكذلك انتشار تعاليم ثيئودور الموبسويستى ونسطور فى كثير من المناطق فى المشرق. وعلم بشكوى أوطيخا من أن إقراره الخطى بالإيمان لم يقبله مجمع القسطنطينية المكانى 448.[60] وخشى أن يكون أوطيخا قد أدين لتمسكه بتعليم القديس كيرلس الكبير حول الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة. وكان مجمع القسطنطينية المكانى 448م قد طلب من أوطيخا أن يحرم كل من لا ينادى بطبيعتين من بعد الاتحاد، فرفض وقال أنا لو فعلت ذلك أكون قد حرمت آبائى القديسين (أمثال القديس كيرلس الكبير)[61]. وأمام اعتراف أوطيخا الخطى المخادع بأنه “يرفض هؤلاء الذين يقولون أن جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء لأن ذاك الذى هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذى هو دوماً إله كامل قبل الدهور، صار أيضاً إنساناً كاملاً فى آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا”.[62]

شعر البابا ديسقوروس أن فلافيان بطريرك القسطنطينية، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطورى الموجود فى الشرق حينما طُلب من أوطيخا فى مجمع القسطنطينية المكانى 448م حرم كل من لا ينادى بطبيعتين من بعد الاتحاد. ولكن الحقيقة كانت أن البابا ديسقوروس سعى إلى محاربة النسطورية برفض تعبير “الطبيعتين بعد الاتحاد” وكان الأسقف يوسابيوس يدفع البطريرك فلافيان لمحاربة الأوطاخية بتأكيد تعبير “طبيعتين من بعد الاتحاد”، ومن هنا نشأ بين الطرفين سوء الفهم الذى تطور إلى الشقاق الخلقيدونى فيما بعد. ولكن البحث الدقيق يبرهن أن البابا ديسقوروس لم يكن أوطاخياً، ولهذا لم يحكم عليه مجمع خلقيدونية لأسباب عقائدية، كما ذكر أناتوليوس بطريرك القسطنطينية رئيس المجمع فى جلسة 22 أكتوبر عام 451م [63]. كما أن البطريرك فلافيان والأسقف يوسابيوس لم يكونا نسطوريين.

مجمع أفسس الثانى :

عقد المجمع الجلسة الأولى فى 8 أغسطس عام 449م، وحضره 150 أسقف برئاسة البابا ديسقوروس وبحضور الأسقف يوليوس ممثل بابا روما، وجيوفينال أسقف أورشليم، ودمنوس الأنطاكى وفلافيان بطريرك القسطنطينية.

وبعد استعراض وقائع مجمع أفسس الأول 431م، ومجمع القسطنطينية المكانى 448م، وقراءة اعتراف خطى لأوطيخا بالإيمان الأرثوذكسى قدّمه أوطيخا إلى المجمع مخادعاً، وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينية ويوسابيوس أسقف دوريليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتية. كما حكم المجمع بحرم وعزل كل من إيباس أسقف الرها وثيئودوريت أسقف قورش وآخرين.[64] وحدد المجمع أن ديودور الطرسوسى نسطورى.[65] ولم تقرأ رسالة البابا لاون الأول إلى المجمع وهى المعروفة بطومس لاون.

 

مجمع خلقيدونية :

لم يقبل البابا لاون الأول نتائج مجمع أفسس الثانى 449م ومنح الحل الكنسى لثيئودوريت أسقف قورش[66]  وحـدث أن الإمبراطور ثيئودوسيـوس قد سقـط من على ظهر جواده، مما أدى إلى وفـاته فى 28 يوليـو عام 450م

وتولت أخته بولكاريا السلطة وتزوجت من القائد مركيان، وأعلنته إمبراطوراً فى 28 أغسطس من نفس العام. وفى 15مايو عام 451م صدرت الأوامر الإمبراطورية بعقد مجمع عام فى نيقية. وبحلول أول سبتمبر وصل الأساقفة إلى نيقية ولكنهم أمروا أن يتجهوا إلى خلقيدونية القريبة من القسطنطينية. فاجتمع حوالى 500 أسقف فى كنيسة القديسة أوفيمية، وعقدت الجلسة الأولى للمجمع فى 8 أكتوبر عام 451م.

فى تلك الجلسة نوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذى برّأه مجمع أفسس الثانى 449م؛ فقال “إذا كان أوطيخا يتمسك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل النار أيضاً (أى جهنم). ولكن اهتمامى إنما هو بالإيمان الجامع الرسولى وليس بأى إنسان أياً كان”[67].

وقال أيضاً فى نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونى : “أنا أقبل عبارة “من طبيعتين بعد الاتحاد”[68] وهو فى تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفى قبوله لعبارة “من طبيعتين بعد الاتحاد” أراد أن يؤكّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين فى الاتحاد وعدم امتزاجهما.

أقر المجمع الخلقيدونى رسائل القديس كيرلس السكندرى المجمعية وطومس لاون بعد مراجعته على حروم القديس كيرلس الاثنى عشر[69]. وقد حكم بحرم وإدانة وعزل أوطيخا وبإلغاء أغلب قرارات مجمع أفسس الثانى 449م. وبعزل البابا ديسقوروس الإسكندرى لأسباب إدارية وقانونية، وبإعادة ثيئودوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها إلى رتبة الأسقفية بعد أن وافقا على حرم نسطور وتعاليمه. ولكن المجمع لم يحكم على كتابات ثيئودوريت وإيباس ضد تعليم القديس كيرلس الكبير، كما لم يحكم على ثيئودور الموبسويستى معلم نسطور ولا على تعاليمه.

وبالرغم من أن رسالة إيباس أسقف الرها إلى ماريس الفارسى والتى هاجم فيها مجمع أفسس المسكونى 431م، وتعاليم القديس كيرلس الكبير وحرومه الاثنى عشر، قد قرئت فى المجمع إلا أن المجمع لم يحكم بإدانتها[70]  مما جعل الفريق الذى رفض قرارات مجمع خلقيدونية يشعر بأن هناك تعاطفاً فى المجمع مع الجانب النسطورى. إلا أن المجمع كان قد أكّد قداسة البابا كيرلس، ولم يقبل ثيئودوريت وإيباس إلا بعد توقيعهما الحرم على نسطور.

وقد أوضح الجانب الخلقيدونى فيما بعد موقفه مظهراً رفضه للنسطورية بصورة أكيدة فى المجمع التالى للخلقيدونيين الملقب بالمجمع الخامس والمنعقد فى القسطنطينية عام 553م؛ حيث حكم هذا المجمع بحرم شخص وكتابات ثيئودور الموبسويستى، معلّم نسطور، وبحرم كتابات ثيئودوريت أسقف كورش وكذلك إيباس أسقف أديسا ضد تعاليم القديس كيرلس الكبير.

وضع مجمع خلقيدونية تعريفاً للإيمان وكان أعضاء المجمع فى البداية يرفضون هذا الأمر، ولكنهم تحت إلحاح مندوبى الإمبراطور قد رضخوا فى النهاية. وكانت المسودة الأولى تنص على أن المسيح “من طبيعتين”. ولكن مندوبى الإمبراطور ألحوا أن يتضمن النص “فى طبيعتين”. وبعد مقاومة كبيرة على أساس أن هذه العبارة متضمنة فى “طومس لاون” الذى قبله المجمع ولا داعى لوضعها فى تعريف الإيمان، قبلها المجمع تحت إلحاح من مندوبى بابا روما وممثلى الإمبراطور.

لم يكن التعريف الذى قبله المجمع نسطورياً بل إن المجمع فى قراراته قد أكّد على حرم كل من النسطورية والأوطاخية. ولكن التعريف لم يتضمن على عبارة “الاتحاد الأقنومى” ولا على عبارة أنه “لا يمكن التمييز بين الطبيعتين إلا فى الفكر فقط” وهى العبارات الهامة فى تعليم القديس كيرلس الكبير. كما أنه وردت عبارة تحرم “كل من يعتقد بطبيعتين قبل الاتحاد وبطبيعة واحدة من بعد الاتحاد”، والمقصود بهذه العبارة هو أوطيخا وعقيدة الامتزاج بين الطبيعتين. ومن المعلوم أن الجانب اللاخلقيدونى يحرم من يقول “بطبيعتين قبل الاتحاد” لأن هذا التعبير يفترض وجود الناسوت قبل اتحاده باللاهوت، لكن هذا الفريق يقبل “من طبيعتين فى الاتحاد” و “من طبيعتين بعد الاتحاد”. أما حرم من يقول “بطبيعة واحدة بعد الاتحاد” فكان يحتاج إلى توضيح، لأن هذا الحرم من الممكن أن يفسّر أنه ضد تعليم القديس كيرلس الكبير “طبيعة واحدة متجسدة لكلمة الله” الذى تمسك ويتمسك به الجانب اللاخلقيدونى حتى الآن، مع رفضهم التام لفكرة الامتزاج وتأكيدهم على استمرار وجود الطبيعتين فى الاتحاد.

هذه الأمور العقائدية التى أدت إلى رفض البابا ديسقوروس مجمع خلقيدونية، ورفض مجموعات عديدة فى الشرق -بما فى ذلك الشعب المصرى- لهذا المجمع، وقد حاول مجمع القسطنطينية عام 553م  أن يعالجها باستخدام عبارات القديس كيرلس الكبير “الاتحاد الأقنومى” و”لا يمكن تمييز الطبيعتين إلا بالفكر فقط” وبشرح معنى رفض من يعتقدون بطبيعة واحدة على أساس الامتزاج. ولكن ظل الخلاف بين الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين حول عبارة “فى طبيعتين” و “من طبيعتين”.

فى مجمع خلقيدونية وافق الأساقفة المصريون الأربعة عشر الحاضرون على حرم أوطيخا ولكنهم لم يقبلوا التوقيع على قرارات المجمع ولا على طومس لاون. وحدثت اضطرابات كبيرة فى الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.

وانتخب فى 16 مارس 457م فى الإسكندرية البابا تيموثاوس الثانى (الشهير بأوريلُّوس) خليفة للبابا ديسقوروس بعد وفاته، وتمكن فى عهد الإمبراطور “باسيليسكوس” من عقد مجمع عام  آخر فى أفسس سنة 475م (يلقبه البعض مجمع أفسس الثالث) حضره 500 أسقف. هذا المجمع حرم تعاليم أوطيخا وتعاليم نسطور ورفض مجمع خلقيدونية. وقد وقّع على قرار هذا المجمع 700 أسقف شرقى[71]. وقد أوضح موقف البابا تيموثاوس من خلال المجمع أن الجانب الرافض لمجمع خلقيدونية لم يكن بالضرورة أوطاخى المعتقد كما اتهمه، فى أغلب الأحيان، الجانب الخلقيدونى.

وفى عهد الإمبراطور زينو حدثت محاولة للوحدة على أساس مرسوم الاتحاد الهينوتكون Henotikon الذى صدر فى 28 يوليو عام 482م، والذى وقّع عليه على التوالى أكاكيوس بطريرك القسطنطينية، وبطرس منجوس بطريرك الإسكندرية، وبطرس القصار بطريرك أنطاكيا فى عام 484م، ومارتيريوس بطريرك أورشليم. ولم تشترك روما فى هذه الوحدة بل عقد بابا روما فيلكس الثالث مجمعاً وقطع (من الشركة) أكاكيوس بطريرك القسطنطينية. وفى مصر حدثت مقاومة شديدة وتكونت جماعة “الذين بلا رئيس” Acephlists ولم يتمكن مرسوم الاتحاد Henotikon من الحفاظ على الوحدة التى بدأت بتوقيع بطاركة الكراسى الشرقية الأربعة عليه[72].

الرؤية المعاصرة للموقف :

كان الجانب اللاخلقيدونى يرغب فى نبذ النسطورية بتأكيد عقيدة الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة طبيعة واحدة من طبيعتين بغير امتزاج ولا اختلاط ولا تغيير، لأن تعبير الطبيعة الواحدة هو أصدق تعبير عن “الاتحاد الطبيعى” الذى علّمه القديس كيرلس فى رسالته الثالثة إلى نسطور والتى قبلها كلٌ من مجمع أفسس ومجمع خلقيدونية.

وكان الجانب الخلقيدونى يرغب فى نبذ الأوطاخية بتأكيد عقيدة وتعبير الطبيعتين غير المنفصلتين أو المتجزئتين لتأكيد استمرار وجود الطبيعتين وعدم تلاشيهما فى الاتحاد، ولتأكيد عدم تلاشى الفرق فى خصائص الطبيعتين بسبب الاتحاد بينهما.

ربما كان كل جانب مكمّلاً للجانب الآخر فى تعبيره عن الحقيقة الواحدة؛ فالذين قالوا بالطبيعة الواحدة المتجسدة من طبيعتين أضافوا “بغير امتزاج ولا تغيير” لنفى الأوطاخية والذين قالوا بالطبيعتين أضافوا “بغير انفصال ولا تقسيم” لنفى النسطورية. وقد تكلم الجانبان عن حقيقة واحدة هى أن السيد المسيح كائن واحد إلهى-إنسانى، أى تكلموا عن كينونة واحدة من جوهرين قد اتحدا فى المسيح والواحد.

فالذين عبّروا بالطبيعة الواحدة المتجسدة قصدوا التعبير عن حالة الكينونة بأنها واحدة. والذين عبّروا بالطبيعتين قصدوا التعبير عن حقيقة استمرار الكينونة للطبيعتين.

بتعبير آخر، البعض تكلم عن حالة الوجود والبعض الآخر تكلم عن حقيقة استمرار الوجود، ولأنهم استخدموا التعبير نفسه، وهو “الطبيعة”، فقد اختلفوا معاً.

 فى المفهوم اللاخلقيدونى                                                 فى المفهوم الخلقيدونى

الطبيعة تعبير عن حالة الوجود                                   الطبيعة تعبير عن حقيقة استمرار الوجود

فالذين قصدوا “حالة الوجود” قالوا “طبيعة واحدة” والذين قصدوا “حقيقة الوجود” قالوا “طبيعتين” والدليل على ذلك أن الطرفين قد قبلا معاً أن الطبيعتين لا يمكن التمييز بينهما إلا فى الفكر فقط. وهذا معناه أنه لا يمكن التمييز بينهما فى الواقع بل فى الخيال والتأمُّل. ولا يعنى ذلك إلغاء حقيقة وجودهما، بل إلغاء حالة وجودهما فى غير اتحاد.. والوحدة هى أصدق تعبير عن “الاتحاد الطبيعى” enwsiV fusikh. لذلك فإن تعبير الطبيعتين بدون تعبير الطبيعة الواحدة المتجسدة لا يعبّر عن حقيقة الاتحاد.

على هذا الأساس تم الاتفاق بين الجانب الخلقيدونى والجانب اللاخلقيدونى فى الحوار الأرثوذكسى فى دير الأنبا بيشوى بمصر (يونية 1989) وفى شامبيزى بسويسرا (سبتمبر 1990). فقد قبل كل من الجانبين التعبير اللاهوتى للآخر، معترفاً بأرثوذكسيته. واتفق الجانبان أن كلمة الله هو هو نفسه قد صار إنساناً كاملاً بالتجسد مساوياً للآب فى الجوهر من حيث لاهوته، ومساوياً لنا فى الجوهر من حيث ناسوته-بلا خطية. وأن الاتحاد بين الطبائع فى المسيح هو اتحاد طبيعى أقنومى حقيقى تام بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا انفصال. وأنه لا يمكن التمييز بين الطبائع إلا فى الفكر فقط. وأن العذراء هى “والدة الاله” qeotokoV مع حرم كلاً من تعاليم كل من نسطور وأوطاخى وكذلك النسطورية الخفية التى لثيئودوريت أسقف قورش. لعل هذا الاتفاق يكون هو أساس للوحدة بين الفريقين..

[1] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, AMS Press 1972, p.2  reprinted from the edition of 1883 Edinburgh

[2] St. Athanasius, Letter to Epictetus, par.8, N.&P.N. Fathers, Oct. 1987, Eerdmans, second series, vol. IV, P.573.

[3] Ibid, par.7, P.572,573

[4] St. Gregory of Nazianza, Ep. to Cledonius the Priest Against Apollinarius, N. & P.N. Fathers , Vol. VII, series 2, Epistle 101, p. 440, Eerdmans Michigan, Sept. 1978

[5] J.N.D Kelly, Early Christian Doctrines, Chapter XI -Fourth Century Christology – Fifth Edition-  A. and C. Black- London 1977,p.296.

[6] Collected by R. Abramowski, Z.N.T.W. 42 (1949), E.g. frg. 42

[7] Collected by R. Abramowski, Z.N.T.W. 42 (1949), E.g. frg. 19: cf. frg. 42

[8] J.N.D. Kelly, Early Christian Doctrines, Chapter XI -Fourth Century Christology – Fifth Edition-  A and C Black- London 1977 , p.303.

9 وما ذكره كاتب كتاب “العريس” من أن اللوغوس أو اللاهوت هو العريس وأن الناسوت هو العروس أو الكنيسة، وبهذا تكون الكنيسة قد ولدت فى بيت لحم،  هو أبعد من مفهوم ثيئودور بأضعاف. لأن كاتب كتاب العريس فقال إننا جميعاً اتحدنا باللاهوت فى بطن العذراء وولدت الكنيسة فى بيت لحم. أما الإيمان الصحبح فهو أن المسيح بلاهوته وناسوته هو العريس والكنيسة هى العروس على اعتبار أنه افتداها واشتراها بدمه. قال ثيئودور نفس هذه الفكرة وهى أن اتحاد اللاهوت بالناسوت فى المسيح ليس اتحاد بل اتصال وأنه اتحاد خارجى فقط مثل اتحاد الرجل بالمرأة.

[10] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh p.6,7.

[11] Hardouin and Mansi, ll. cc. § 29; Dorner, l.c. p.52

[12] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, p.9-17,  AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh

[13] Socrates, History of the Church from A.D. 305-439, Nicene and Post Nicene Fathers, edited by Schaff, P. & Wace, H., WM. B. Eerdamns Publishing Company, Grand Rapids Michigan 1979,  series 2, Vol. II, Book 7, Chapter 29, p. 169.

[14] Mansi, t. v. p. 573; Hardouin, t.i.p. 1331

[15] According to Cyril of Alexandria (Ep. vi. p. 30, Ep. ix. P.37, Opp.t.v.ed. Aubert; and in Mansi, t. iv. p. 1014).

[16] Marius Mercat. ed. Garnier-Migne, p. 757 sqq

[17] Marius Merc. l.c. p.770 ;  Cyrill. Opp. t. iv. P.20; Tillemont, t. xiv. p. 318.

[18] In Hardouin. t. i. p. 1336; Mansi, t. iv. p.1102.

19 أسقف سيزيكوس

[20] In Marius Merc. l.c. pp. 789-801.

[21] Bazar of Heraclides (LH 193), quoted by Bernard Dupuy, OP, ‘The Christology of Nestorius’ published in Syriac Dialogue First non-official Consultation, by Pro Oriente Hofburg Marschallstiege II A-1010 Vienna, 1994, p.113

[22] Rowan Greer: ‘The Image of God and the Prosopic Union in Nestorius’ Bazar of Heraclides in Lux in Lumine, Essays to Honor W. Norman Pittenger, edited by R. A. Morris jr., New York 1996, p. 50; quoted by Metropolitan Mar Aprem G. Mooken entitled “Was Nestorius a Nestorian” published in Syriac Dialogue First non-official Consultation, by Pro Oriente Hofburg Marschallstiege II A-1010 Vienna, 1994 p. 223.

[23] R. Nau, Paris 1910, ed. Letouzey et Ane, Le Livre d’Heraclide de Damas (=L.H.); p. 28.

[24] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, p.17-25 ,  AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh

[25] Cyrill. Alex. Opp. t.v. p. ii. p. 222

[26] Opp. l.c. Epist. I. pp. 1-19; in Mansi, t. iv. pp. 587-618.

27 كتب القديس كيرلس “إن هذا الاسم (اللوغوس) كان يناسبه حينما صار إنساناً”

[28] In Mansi, t. iv. P. 883 sq.  Works of Cyril, l.c. Epist. ii. p.19 sq.

[29] Cyrill. Opp. L.c. iii. p. 21; Mansi, l.c. p. 886

[30] Cyrill. Opp. L.c. Epist. iv. p. 22; Mansi, l.c. p.887 sqq.,  t. iv. P. 659;  Hardouin, t. i. p.1273, and t. ii. p. 115; in German by Fuchs, l. c. S. 479 ff.

31 لم يحضر بابا روما بنفسه المجمع المسكونى مثلما عمل أسلافه فى المجامع السابقة لأن المجامع المسكونية كانت تعقد بدعوى من إمبراطور الشرق. ولحرص بابا روما على ألا يغضب إمبراطور الغرب إذا حضر المجمع بنفسه، كان يرسل مندوبين عنه على اعتبار أن المجمع لم يعقد فى الإمبراطورية الرومانية الغربية. أما إذا كان المجمع قد عقد فى روما أو أسبانيا كان سيحضره بابا روما مع بطاركة الشرق.

32 كسرت بولكاريا نذر رهبنتها وتزوجت بماركيان وأعلنته إمبراطوراً لكى تحتفظ بالملك. فماذا نتوقع من إمبراطورية بدأت بكسر نذور إلا أسوأ مجمع مسكونى فى تاريخ الكنيسة أى مجمع خلقيدونية؟ فلكى تأخذ بولكاريا اعترافاً من إمبراطور روما بأن ماركيان هو الإمبراطور ولكى لا تكون هناك حروب بين الإمبراطورية الشرقية والغربية طلبت من الإمبراطور فى روما الاعتراف بإمبراطوريتهم فاشترط أن ترضى بابا روما.. وكان شرط إرضاء بابا روما هو عقد مجمع لمحاكمة ديسقوروس بابا الاسكندرية الذى تجاسر وحرم طومس لاون.

[33] يذكر الطومس “أن كلا الطبيعتين تعمل ما يخصها فى الاتحاد فالكلمة يصنع المعجزات والآخر ملقى للإهانات”. فإذا أخذنا كلمة “الكلمة” بمعنى شخص الكلمة فإن كلمة “الآخر” سوف تعنى الشخص الآخر. أما إذا أخذنا كلمة “الكلمة” بمعنى الطبيعة الإلهية، فستعنى كلمة “الأخرى” الطبيعة الإنسانية، أى أنه تألم بالجسد. فكلمة “الكلمة” ليست كلمة محددة، لأنها قد تعنى الطبيعة الإلهية أو الأقنوم الثانى. حينما قمنا بالحوار فى شامبيزى درسنا النص اللاتينى واليونانى والإنجليزى للعبارة دراسة عميقة، فوجدنا أنه كان من الممكن قبول العبارة لأنه ذكر فى نفس الطومس أن الذى صلب على الصليب والذى ولد من العذراء هو الله الكلمة. فهناك عبارت ذكرت فى الطومس لا يمكن أن يقبلها النساطرة فكان من الممكن أن تشفع فى هذه العبارة. ولذلك لم يشأ البابا ديسقورس أن يحرم لاون فى رئاسته لمجمع أفسس الثانى عام 449م الذى يسميه الخلقيدونيون مجمع اللصوص، مع أن هذا يعتبر المجمع المسكونى الرابع. لكن بسبب مخادعة أوطاخى، أعاده البابا ديسقوروس إلى الشركة فى هذا المجمع، لذلك لم نشأ أن نعتبر هذا المجمع مجمعاً مسكونياً لئلا يعتبر أوطاخى محاللاً. أما باقى قرارات هذا المجمع فقد تم الاحتفاظ بها. لذلك فى سعيهم لمصالحتنا فى مجمع القسطنطينية الخامس 553م حرمت كتابات ثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها وشخص ثيئودور الموبسويستى وقد كانت هذه جزء من قرارات مجمع أفسس الثانى 449م واعتبروها قرارات لمجمعهم. أما نحن فقد حرمنا أوطاخى بعد ذلك فى مجمع أفسس الثالث 475م الذى رأسه البابا تيموثاوس الثانى Timothy Aurelus بحضور 500 أسقف حيث حرم تعليم أوطاخى ومن يقول بذوبان الطبيعتان دون ذكر اسم أوطاخى. لكن هناك مجامع أخرى فى كنائسنا اللاخلقيدونية حرمت أوطاخى بالاسم. وقد حرم مجمع أفسس الثالث 475م أيضاً مجمع خلقيدونية.

[34] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, p. 25 ,  AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh

[35] The Fathers of the Church, St. Cyril of Alexandria, Letters (1987) translated by John I. McEnerney, The Catholic University of America Press (CUA), Washington, D.C., Pope St. Clestine Letter to St. Cyril of Alex., vol. 76, p. 69, 70.

[36] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, p.28-34 ,  AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.

[37] Ibid  p. 36

[38] Evagrius, Hist. Eccl, i.7

[39] In Mansi, t. iv. p. 1102, Hardouin, t. i. p. 1335.  German in Fuchs, Bibl. Der Kirchenvers Bd  iii S. 592

[40] Hardouin, t.i. p. 1435 ; Mansi t. iv. p. 1230.

[41] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, p.40-44 ,  AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh

42 مقصود الرسالة الثالثة إلى نسطور التى اعتمدها المجمع السكندرى وفيها الحروم الاثنى عشر.

[43] Cf. Mansi,, t.iv. p. 1182; Hardouin, t.i. p.1398; Fuchs, l.c. S.59

[44] C.J. Hefele, A History of the Councils of  the Church, Vol. III, p.48,  AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh

[45] Socrates, l.c; Schrockh in his Kirchengesh (Bd. 18, S. 235).

[46] In Mansi, t. iv. pp. 1198-1207; Hardouin, t.i.pp. 1410-1419. German in Fuchs, l.c. S. 69 ff.

[47] Cf. Mansi, t.iv. p. 1170-1178; Hardouin, t.i. pp. 1387-1395

[48] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, p.47-58,  AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh.

[49] V.C. Samuel, The Council of Chalcedon Re-Examined, Senate of  Serampore College, Madras, India, 1977, p. 8.

[50] Ibid.

[51] The Fathers of the Church, St. Cyril of Alexandria, Letters (1987) translated by John I. McEnerney, The Catholic University of America Press (CUA), Washington, D.C., Letter to John of Antioch, Vol. 76, par. 3, p.148-149.

[52] V.C. Samuel,The Council of Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, p. 11.

[53] Ibid. p. 12

[54] Ibid. p.194

[55] Ibid., P.11-13

[56] The Fathers of the Church, St. Cyril of Alexandria, Letters (1987) translated by John I. McEnerney, The Catholic University of America Press (CUA), Washington, D.C.,  Letter to Emperor Theodosius,  Vol. 77, p.70-71

[57] V.C. Samuel, The Council of  Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, P.14-15.

[58] Ibid p. 15

[59] Ibid. p. 17-18

[60] Ibid. p.19,20,24

[61] Ibid. p.22

[62] Ibid p. 30-31

[63] Ibid. p.69

[64] V.C. Samuel, The Council of  Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, P.29-35.

[65] J.N.D. Kelly, Early Christian Doctrines– Chapter xi – Fourth Century Christology,  A & C Black- London 1977 , 5th Revised Edition p.302

[66] V.C. Samuel, The Council of  Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, P.69

[67] Ibid, p.51

[68] Ibid., p.55

[69] C.J. Hefele, A History of the Councils of the Church, Vol III, p.345 AMS Press 1972, reprinted from the edition of 1883 Edinburgh

[70] V.C. Samuel, The Council of  Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, P.84

[71] Ibid.101-105

[72] Ibid.108-114

شاهد أيضاً

كلمة لاتزول92-الأنبا بيشوى-يو5؛26 27هل ذات الآب غير ذات الابن؟هل المقصود بالذات؛ الجوهر أم الأقنوم؟

مرتبط

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: