الرئيسية » آخِرُ مَوْضُوعَاتِ الْمُوَقِّعِ » تأملات فى حياة القديسة دميانة

تأملات فى حياة القديسة دميانة

تأملات فى حياة القديسة دميانة

سبقت عصرها وزمانها

كانت القديسة دميانة شخصية غير عادية وشخصية مميزة وسط جماعة القديسين والقديسات. سبقت القديسة دميانة عصرها وزمانها لأنها فكرت فى الرهبنة وفى تأسيس دير وحياة شركة، وقادت الراهبات فى حياة النسك والعبادة، إلى جوار قيادتها لهن فى طريق الاستشهاد، فانطبق عليها ما قيل عن السيدة العذراء “تدخل إلى الملك عذارى فى إثرها، جميع قريباتها إليه يقدُمن” (مز44: 14).

بدأت القديسة دميانة حياتها الرهبانية وحياة الشركة فى ديرها فى وقت لم يكن فيه أديرة أو رهبان أو حياة شركة، لأن القديس باخوميوس بعد ذلك هو الذى أسس حياة الشركة. وبالرغم من أنها قد بدأت طريقاً جديداً؛ إلا أنها استطاعت أن تجتذب جميع صديقاتها الروحيات إلى طريق الرهبنة، بقوة تأثيرها على المحيطين بها.

أحب الكثيرون السيد المسيح من خلال القديسة دميانة، كما أحبوا أيضاً العشرة معها، بمجرد أنها استطاعت أن تعيش للمسيح، اشترك معها الكثير من العذارى اللائى عرفنها قبل أن تتجه للوحدة.

 

البداية

بدأت القديسة دميانة مع مجموعة من العذراى لأنه من غير المعقول أن يبنى لها والدها بيتاً كبيراً فى مكان خلوى ويضع عليه حراساً (قد يكون فى وجودهم خطورة) إلا إذا كانت معها جماعة من العذارى، فتستطعن أن تغلقن الأبواب وتمكثن بالداخل. وهى بلا شك لم تكن وحدها فى هذا البيت الكبير.

تختلف البداية التى بدأت بها القديسة دميانة عن البداية التى بدأ بها القديس الأنبا أنطونيوس، الذى خرج إلى البرية وعاش فى الوحدة، فمكث فى مقبرة مدة عشرين سنة، ثم اتجه إلى المغاير فى الصحراء الشرقية، إلى أن تجمّعت حوله جماعة من الرهبان.. فى ذلك الحين كانت القديسة دميانة قد كوّنت ديرها، ثم بدأ عصر الاستشهاد.

 

أول من أسست دير للراهبات

ربما خرج القديس الأنبا أنطونيوس لكى يعيش فى الحياة مع الله قبل القديسة دميانة، لكن لا أظن أنه كوّن مجموعة من الرهبان أو كان أباً للرهبان قبلها. لأن القديسة دميانة كانت قد بدأت بمجموعة من العذارى عشن حياة الشركة حيث إن وضع الفتاة يختلف عن وضع الرجل فى هذا الأمر.

استشهدت القديسة دميانة فى عصر الإمبراطور دقلديانوس الذى اعتلى كرسى الإمبراطورية عام 284 م، فتكون القديسة دميانة قد استشهدت فى أواخر القرن الثالث الميلادى أو فى بداية القرن الرابع الميلادى. وفى هذا الوقت بلغ عدد الراهبات اللائى كن معها أربعين.. وبهذا تكون القديسة دميانة هى أول من عاشت حياة الشركة الرهبانية فى مصر وربما يكون ديرها الأصلى هو أقدم دير أنشئ فى العالم كله.

الدير الذى سكنت فيه القديسة دميانة يختلف عن الدير الذى شُيِّد بعد ذلك حول قبرها. ربما تكون مبانى الدير الأصلى عند التل الأثرى حالياً. فحينما أتت الإمبراطورة هيلانة، بنت المقبرة والكنيسة والمساكن المحيطة بها، وربما لم تستخدم القصر الأصلى لأن المقبرة والكنيسة الكبيرة لا تُبنى داخل البيت.. فلابد أنها بُنيت خارجه.

 

شقّت طريقاً لم يسبقها إليه أحد

سبقت القديسة دميانة عصرها كله وكانت لديها شجاعة وجرأة عجيبة. ما من أحد بدأ حياةً رهبانية إلا على أساس من سبقوه، فيستطيع أن يأخذ خبرة من الحروب الروحية التى واجهتهم وكيف واجهوها. لكنها مثل القديس الأنبا أنطونيوس الذى كانت له الشجاعة أيضاً أن يبدأ طريق الرهبنة حيث لا يوجد دير.

بتأسيسها لأول دير شقّت طريقاً لم يسبقها أحد إليه. لكن بالتأكيد كانت القديسة دميانة تأخذ إرشاداً روحياً من أسقف المنطقة، لكنها لم تسأل راهبة مثلاً تكون قد عاشت قبلها فى هذا الطريق كيف سلكت فيه حتى تتلقن منها، لكنها وضعت كلاً من السيد المسيح والعذراء مريم أمام عينيها فكانت تتمثل بهما.

بدأ السيد المسيح الكنيسة بالآباء الرسل.. هؤلاء كانوا نقطة البداية.. وهكذا كانت القديسة دميانة إحدى البدايات التى بدأت فى العالم كله. رغم أن هذا الدير لم يتمكن من البقاء حتى تتسلم منه الأجيال لأن الدير كله انتقل إلى الفردوس باستشهاد العذارى.

لو أن أى عدد من العذارى استمر فى الوجود لسلّم لباقى الأجيال خبرة الحياة الروحية الديرية، لكنهن انتقلن جميعهن، ولم يتركن أى شئ من خبراتهن الروحية.. وضع غريب!! ولكن قبولهن كلهن للاستشهاد بفرح وشجاعة –رغم عنف الحرب التى وُجهّت ضدهن- جعلت ما لم يُكتَب كخبرات تفصيلية يكون له تأثيره العميق فى قلوب الآخرين بل ربما يكون أقوى فى التأثير من السير المكتوبة.

كانت القديسة دميانة والعذارى مصدر إلهام للكثيرين، ونحن نطلب أن يعطينا الرب فى ديرها من نوعية حياتها الروحية.

 

دور الروح القدس

كان الأب الروحى أو الأسقف المسئول عن المنطقة  يعرف كيف كن يعشن، فربما يكون قد حكى عنهن بعد شهادتهن بعض الأمور التى تخص الحياة العامة، مثل التدبير اليومى وطريقتهن فى حياة الرهبنة. وقد يكون هذا هو الشئ الوحيد الذى وصل إلينا.

قيل عن السيد المسيح فى حديثه مع تلميذى عمواس بعد القيامة أنه كان “يفسّر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب” (لو24: 27).. ما أجمل أن يسمع الإنسان من المسيح نفسه ما يشرحه عن نفسه. هناك من يتكلمون عن السيد المسيح ويفسّرون النبوات المكتوبة عنه، وقد يفكر الإنسان أنه ما من لاهوتى أو معلم لاهوت أو مفسّر للكتب المقدسة، يمكنه أن يشرح ما شرحه السيد المسيح شخصياً ويقول فى نفسه كنا نتمنى أن يكون هناك جهاز تسجيل حتى نقتنى ما قاله السيد المسيح بنفسه!

لكن السيد المسيح وعد قائلاً “أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلّمكم كل شئ ويذكّركم بكل ما قلته لكم” (يو14: 26) وقال أيضاً “لا أترككم يتامى” (يو14: 18). نحن نقتنى ما هو أثمن من جهاز التسجيل، فلدينا ما يعرِّفنا ما قاله السيد المسيح لتلميذى عمواس وبصورة أقوى من شريط التسجيل.. كان الروح القدس حريصاً أن يسجّل هذه الكلمات وهكذا جاءت الأقوال التى كتبها الإنجيليون أو التى قالها الرسل أو دوّنوها.. علاوة على ذلك فإن الروح القدس يستطيع أن يعمل فى قلب القارئ لكى يفهم ولكى تستعلن له المقاصد الإلهية كما فتح السيد المسيح أذهان تلاميذه ليفهموا الكتب. حينما نبدأ فى قراءة الكتاب المقدس فإن الروح القدس يرافق قراءتنا ويفسِّر لنا ما كان يقصده السيد المسيح فيما نقرأ.

هكذا كانت سيرة حياة القديسة دميانة ليست قصة تُحكى لكنها حياةٌ تُعاش. فإن لم تتح لكم الفرصة أن تشاهدوا القديسة دميانة، فإن الروح القدس من خلال حياتها فى الدير الذى عاشت فيه، يستطيع أن ينقل لكم مشاعرها ويعرّفكم أفكارها وخبراتها الروحية، حتى بعد ستة عشر قرناً من الزمان.

سيرة القديسة دميانة تحكى وتصف ما رآه الناس. أما حياتها الخاصة الداخلية وخبرتها الروحية الشخصية فلم يُقص عنها شئ، باستثناء ظهور السيد المسيح والسيدة العذراء والملاك ميخائيل لها أثناء عذاباتها، والمعجزات التى صاحبت فترة تعذيبها واستشهادها.

لقد كتب القديس يوحنا أسقف البرلس لنا سيرة القديسة دميانة ولدينا نسخة من المخطوطة التى كتبها. لكن كل ما كتبه عنها هو أنها كانت بنت الوالى وكيف أنها تركت العالم وترهبت، ثم ما عملته مع والدها حينما أنكر الإيمان، يلى ذلك مراحل عذاباتها واستشهادها. كلها أمور خارجية.

 

جميع قريباتها إليه يقدمن

القديـسة دميانة بلا شـك شخصيـة غير عادية فى أنـها سبقت زمانها كله، وأيضا فى أنها أوصلت كل من تتلمذن على يديها إلى الملكوت وهذا أمر فريد جداً من نوعه ويندر أن يتكرر. لأن أى إنسان كأب روحى أو مرشد قد يطيعه البعض، وقد لا يطيعه البعض الآخر. والبعض يسمع الكلمة وينمو، والبعض الآخر لا يسمع ولا ينمو. أما القديسة دميانة فإن “جميع قريباتها إليه يقدُمن” (مز44: 14). كل اللائى تتلمذن على يديها، وصلن إلى السيد المسيح وهذا يدل على قوة وشدة تأثيرها على المحيطين بها. وأنها تشدّهم إلى محبة المسيح بطريقة لا توصف.

 

حكمة القديسة

كانت القديسة دميانة تتصف بالحكمة، فحينما أحاطت جيوش الإمبراطور بالقصر، أعلمت العذارى أنهم جاءوا لأجل القبض عليها، لأنها هى بنت الوالى التى أرجعت والدها إلى الإيمان. ثم طلبت منهن أن يتركن المكان حتى لا يواجهن هذا الموقف. لم تكن القديسة دميانة تريد أن تضعف واحدة منهن أثناء العذاب أو أثناء مواجهة الموت. ولحكمتها كانت حريصة ألا تعرّض واحدة منهن لموقف يزيد عن طاقتها فى الاحتمال، حتى لا تخسرها. لكنهن جميعاً فضّلن الاستمرار مع القديسة دميانة، قابلات أن ما يحدث لها يحدث لهن جميعاً، وبهذا تأكّدت من تصميمهن على الآلام والعذابات والشهادة.

فكما نجحت فى قيادتها الروحية وفى اختيارها لهن من البداية، هكذا أيضاً نجحت فى قيادتهن إلى الاستشهاد.

من الحكمة أن لا نضع الإنسان فى مستوى فوق طاقة احتماله. فمثلاً من لا يستطيع أن يعيش حياة البتولية لا يجب أن ندفعه لحياة الرهبنة لأنه سوف يفشل فى هذا الطريق. ومن لا يقدر على أتعاب صعبة يجب ألا تُفرض عليه، حتى لو كان الهدف هو خدمة السيد المسيح إلا إذا كانت بسماح من الله مباشرةً فيجب عليه أن يحتملها. يجب أن تكون الوسيلة صحيحة. لذلك لم ترِد القديسة دميانة أن تضع بناتها فى موقف فوق احتمالهن، بل بعدما تأكدت تماماً أنه بكامل حريتهن وإرادتهن وأنهن يردن أن يصرن شهيدات، لم تمنعهن. فقادتهن بذلك لأن يصرن عرائس للمسيح، فلم تتراجع أو تفشل واحدة منهن.

 

أنقذت المسيحية فى شمال الدلتا

كانت القديسة دميانة هى السبب فى إنقاذ المسيحية فى شمال الدلتا كلها، لأن هناك مبدأ شهير يقول [إن الناس على دين ملوكهم] ولذلك فإنه حينما اعتمد الأمير فلاديمير فى روسيا عام 988 اعتمدت روسيا بأكملها. وحينما ارتد الإمبراطور دقلديانوس عن المسيحية، ارتد وراءه آلافٌ من الناس، ولم يبق سوى الشهداء على ديانتهم. فلو كان مرقس والى البرلس استمر وثنياً بعدما بخر للأوثان، فإن هذا كان سيمثّل خطورة على المسيحية.. ومن كان يعلم إن كانت المسيحية بقيت فى هذه المنطقة، أم كانت اندثرت؟..

لم تُرجِع القديسة دميانة والدها إلى المسيحية لكنها أرجعت المسيحية لمنطقة شمال الدلتا بأسرها. لذلك هاج عليها الشيطان جداً لأنها ضيّعت عليه فرصة ذهبية لهزيمة المسيحية فى هذه المنطقة، فأراد أن يرد الضربة مضاعفة بأن يجعلها هى نفسها تنكر الإيمان. لأنه إن أنكرت دميانة التى قادت والدها للشهادة الإيمان فماذا يبقى أمام الشعب بعد ذلك الأمر.

 

القديسة دميانة ترمز للكنيسة القبطية

وقفت القديسة دميانة وجهاً لوجه ضد الشيطان ومثّلت الكنيسة القبطية كلها، ولذلك فإن الكنيسة القبطية كلها تحتفل بالقديسة دميانة. وفى احتفال الكنيسة بالقديسة دميانة لا تحتفل فقط براهبة صارت شهيدة، إنما تحتفل بشخصية تعتبر رمزاً للكنيسة القبطية.

القديسة دميانة هى أم روحية قادت بناتها جميعهن للاستشهاد فى يوم واحد، فانضممن إلى صفوف الأبكار. فإن ما يميز القديسة دميانة ليس فقط أنها راهبة أو شهيدة، إنما ما يميزها هو أنها أحد الحصون المنيعة والقلاع الحصينة التى دافعت عن الإيمان ودكّت مملكة الشيطان.

جميع الشهداء بصفة عامة كانت لهم مواجهة مع الشيطان وحموا الكنيسة. لكن هناك مواقف تمثّل نقطة تحوّل أو تمثّل مرحلة حرجة فى المواجهة بين الشيطان والقديسين. ولذلك قيل فى سيرة الشهيدة دميانة أن الجماهير كانت تهتف بإله القديسة دميانة، وأن المئات تقدّموا للاستشهاد أثناء عذباتها. فلم تكن عملية تعذيبها أو استشهادها تشغل أسرتها أو مجموعة من أصدقائها فقط، إنما كانت تشغل المنطقة بأسرها لأنها هى بنت الوالى.

كان الناس يتجمهرون ليشاهدوا هذا المشهد وهذا الصراع بين دميانة بنت الوالى، وبين الإمبراطورية الرومانية التى تمثِّل مملكة الشيطان المنظورة فى ذلك الحين. (مثلما يتجمهر الآلاف لمشاهدة مباريات كرة القدم، ليعرفوا أى الفريقين له الفوز) هذه كانت بنت الوالى والمباراة بينها وبين مملكة إبليس فلابد أن الآلاف قد حضرت لمشاهدة هذا الجهاد الذى كان مخفياً داخل القلاية فى الدير وبدأت تظهر ثماره فى شهادتها. من يريد أن يعرف أبعاد هذا الجهاد يستطيع أن يشاهد هذا المنظر.

حينما وُجّهت إليها كل سهام إبليس الملتهبة ناراً، كانت هى فى شدة وعمق عشقها ومحبتها للأمور الروحية، كانت فى السماويات وفى المسيح. لم تكن متزعزعة على الإطلاق لكنها هزّت كرامة الإمبراطورية الرومانية وهزّت كرامة الشيطان.

 

الشيطان فى مأزق

كانت القديسة دميانة تسجّل انتصارات على طول الخط، وكان عداد الشيطان فى نزول متتابع. كانت هى تتعذب فيؤمن مئات من الناس ويصيرون شهداء. كل هذا كان يسجّل للتاريخ صمودها وآلامها وعذباتها..

حتى فى جيش الإمبراطور بدأ أفراد من الكتيبة فى الدخول إلى الإيمان، مما أدى إلى نقصان عدد الجنود، فقلق قائد الجيش، لأن جنوده صار قسم منهم شهداء نتيجة العجائب التى كانت تحدث مع صمود الشهيدة دميانة وصبرها على العذابات المريعة.

كان على إبليس أن يتخذ قراراً صعباً؛ وهو القرار بقطع رقبتها، لأن قرار قطع رقبتها يعنى أنه فشل فى جعلها تبخر للأوثان. إذا قطعت رقبتها سوف يتخلّص منها، لكنها ستكون بذلك قد أكلمت جهادها ونالت إكليل الشهادة. هذا القرار كانت فيه خسارة، لكن بقاءها كانت له خسائر أشد.. لماذا؟ لأن الشيطان كان يطيل العذاب ويكثره لكى تخضع، لكن الأكاليل تزايدت وعدد الذين يؤمنون يتزايد، نتيجة للمعجزات السمائية التى كانت تصاحب عذابات القديسة دميانة. شعر الشيطان أن الاستمرار على هذا الوضع؛ خسارة. كما أن قطع رقبتها أيضاً؛ خسارة.. ومن هنا بدأ يتخبط، لكنه فى النهاية شعر بحسب حماقته المعهودة؛ أن أقل الأضرار هى أن تُقطع رقبتها، مع ما فى ذلك من إعلان لهزيمته.. وبهذا نالت إكليل جهادها الصالح.

كانت القديسة دميانة فى كلتا الحالتين فرحة : إذا ذهبت إلى المسيح أو إذا استمرت فى التعبير عن حبها من خلال الآلام، لأنها كانت تمجِّد السيد المسيح بما كان يفعله معها من معجزات أثناء عذاباتها.

حينما يكون فى قلب الإنسان محبة، لا يستكثر تكاليف محبته بل إنه يعتبر أن ما يقدِّمه رخيصاً أمام غلاوة من يحبه. كانت الآلام فى نظر القديسة دميانة رخيصة فى مقابل محبة السيد المسيح، فكانت فرحة وهى تتألم. وهذا يعرّفنا قامتها الروحية.

 

ارتباطها بالعذراء

من مميزات القديسة دميانة أنها كانت ترتبط بالسيدة العذراء ارتباطاً وثيقاً، لذلك ظهرت لها السيدة العذراء أثناء آلامها. كانت السيدة العذراء مثالاً لها فى حياة العفة والبتولية والحياة مع الله ومحبته. وظهر هذا الارتباط فى عرس قانا الجليل، حيث كانت السيدة العذراء هى المتصرفة فى هذه المعجزة، حينما طلبت من السيد المسيح أن يعمل الخمر. لذلك فإن أى عرس لا تحضره السيدة العذراء لا يعتبر عرساً على الإطلاق. نحن لا نستطيع أن نفكّر فى عرس حياتنا مع السيد المسيح بدون حضور السيدة العذراء..

هذه العذراء هى التى تُدخل البهجة والفرح وتجعلنا نذوق محبة الله وحلاوة هذه المحبة، كما حوَّل الماء إلى خمر حلو المذاق.

يقول سفر النشيد “نذكر حبك أكثر من الخمر” (نش1: 4) فنحن لا نشعر بحب الله فى حياتنا إلا بشفاعة السيدة العذراء. وبلا شك حينما تحضر العذراء إلى عرس، لابد أن يكون السيد المسيح حاضراً فيه. فبالأولى تكون حاضرة عرس حبيبتها القديسة دميانة. لذلك كان يوم عرس القديسة دميانة 13 طوبة، هو فى نفس يوم عرس قانا الجليل الذى حضرته السيدة العذراء.

إن العلاقة بين القديسة مريم والقديسة دميانة هى أمر يصعب شرحه أو التكلّم عنه، لكن بالروح ومن خلال الصلاة والحياة الروحية نستطيع أن نشعر به ونعيشه بالقدر الذى يسمح لنا الله به.

تتميز القديسة دميانة بحب العذراء  لها بصورة عجيبة جداً. فالسيدة العذراء تحب مصر وتزورها، وقد زارتها قديماً مع السيد المسيح. والسيدة العذراء تفرح لأى طلبة تستجاب من أجل اسم القديسة دميانة.

 

 

 

لماذا يستجيب الله حينما نتشفع بالقديسين ؟

البـعض يقـولون إن كانت السيـدة العذراء هى الشفيـعـة  الأولى عند السيد المسيح فلماذا نطلب صلوات القديسة دميانة؟ للرد نقول إن السيد المسيح موجود فى كل مكان ويسمع صلواتنا، لكننا حينما نتشفع بالعذراء فإن السيد المسيح يفرح لذلك، كما حدث فى عرس قانا الجليل. فيقول الكتاب “هذه بداية الآيات فعلها يسوع فى قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه” (يو2 :11). فقد عمل السيد المسيح أول معجزة من أجل شفاعة السيدة العذراء، مع أنه قال لها “لم تأتِ ساعتى بعد” (يو2: 4) أى أنه أراد أن يقول أنه لولا طِلبة السيدة العذراء، لما عمل هذه المعجزة فى ذلك التوقيت.

هكذا يفرح السيد المسيح حينما نطلب شفاعة السيدة العذراء وصلوات القديسة دميانة ويستجيب من أجل هذا السبب. والسيدة العذراء نفسها إذا طلب أحد صلوات الشهيدة دميانة فإنها تطلب من السيد المسيح أن يستجيب من أجل أنهم طلبوا صلوات وتضرعات القديسة دميانة، لأنها عزيزة لديها. والمَثل العامى يقول [مفيش أغلى من الوِلد إلا وِلد الوِلد]. هكذا فإن من يطلب صلوات القديسة دميانة فإن السيدة العذراء تضم صوتها تلقائياً لهذه الطِلبة.

إن من يعيش مع القديسة دميانة ويحبها لن يقلل هذا من محبته للسيدة العذراء على الإطلاق. بل على العكس؛ إن محبته للسيدة العذراء سوف تتزايد.. تماماً مثل من يعيش مع السيدة العذراء ويحبها لن يقلل هذا مطلقاً من محبته للسيد المسيح.

لو أن أصحاب عرس قانا الجليل دعوا السيد المسيح وتلاميذه ولم تُدع السيدة العذراء، لبقت المياه على حالها، ولاستمر خجلهم وضيقتهم، حتى فى حضور المسيح. أما حينما دعيت والدته فكان يجب أن يبيِّن لهم أهمية وجودها. هذه هى طريقة الله فى التعامل مع قديسيه، فهو يقول “أنا أُحِبُّ الذين يحبوننى” (أم8: 17). أولئك الذين أحبوه من كل قلوبهم وبذلوا حياتهم فى خدمته واحتملوا من أجله الكثير. فإن كان الله قد قال لأسقف أفسس الذى ترك محبته “أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك، وأنك لا تقدر أن تحتمل الأشرار، وقد جرَّبت القائلين إنهم رسل وليسوا رسلاً، فوجدتهم كاذبين. وقد احتملت ولك صبر وتعبت من أجل اسمى ولم تكِلَّ” (رؤ2: 2، 3). ولذلك وبّخه ليعود إلى محبته الأولى.

الله لا ينسى تعب أحد حتى الذين يتركون محبته فيسعى لإرجاعهم، فكيف يكون الحال مع قديسيه الذين تعبوا من أجله؟

 

 

لماذا يحبها الكثيرون

هى نادرة فى حكمتها وفى إيمانها وفى طلباتها المقبولة أمام الله. من يتأمل فى سيرتها يدرك أبعاداً كثيرة لهذه الفضائل الروحية التى ملأت حياتها، وثمار الروح القدس التى توشّحت بها. فليس من العجيب أن يحبها الناس، حتى غير المثقفين يحبونها دون أن يعرفوا السبب الذى يجعلهم يحبونها كل هذه المحبة. لأن الأمور الروحية لا تأتى عن طريق الدراسة إنما تأتى نتيجة التلامس مع القلب فى الداخل. فالبسطاء  يحبون السيد المسيح، بل قد تكون محبتهم له أكثر من محبة المثقفين، كما قال معلمنا بطرس الرسول “الذى وإن لم تروه تحبونه. ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرحٍ لا ينطق به ومجيد” (1بط1: 8).

إن كان الناس يحبون القديسة دميانة كل هذه المحبة النادرة، فكم تكون محبة الذين يعيشون معها باستمرار. فالقديسة دميانة يهمها جداً هذه الحياة المتجددة فى هذا المكان والتى تعيد ذكرى الحياة الروحية التى لم يتِح لها الزمن فرصة لتعيشها. فبالرغم من فرحتها بالاستشهاد إلا أنها كانت تتمنى أن يستمر ديرها، وكيف يستمر وكل قريباتها قُدِّمن عرائس للمسيح؟..

لذلك نحن نشعر أن القديسة دميانة فرِحة الآن من أجل امتداد ديرها وحياة الرهبنة التى عاشتها، فعلينا أن نعرف الرسالة المطلوبة منا فى هذا المكان الطاهر.

ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين

 

شاهد أيضاً

One Hour Live231ساعة على الهواء7-12-الأنبا بيشوى-جوج وماجوج-آباء العهد القديم وأنبياء يروا الفداء

مرتبط

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: