الرئيسية » آخِرُ مَوْضُوعَاتِ الْمُوَقِّعِ » تأليه الإنسان وتفسير عبارة القديس بطرس الرسول “شركاء الطبيعة الإلهية” الجزء الثاني

تأليه الإنسان وتفسير عبارة القديس بطرس الرسول “شركاء الطبيعة الإلهية” الجزء الثاني

لقراءة الجزء الأول من الرابط : تأليه الإنسان وتفسير عبارة القديس بطرس الرسول “شركاء الطبيعة الإلهية” (2 بط 1: 4)

 

تأليه الإنسان

وتفسير عبارة

القديس بطرس الرسول

“شركاء الطبيعة الإلهية”

(2 بط 1: 4)

الجزء 2

 

للأسف بدأت موجة جديدة يستخدم فيها البعض آية واحدة من الكتاب المقدس هى (2بط 1: 4). ومع خطورة إستخدام الآية الواحدة وإقتطاعها من السياق والنص الذى قيلت فيه فالبعض يحاول تفسيرها بدرجات متفاوتة فى تأييد بدعة تأليه الإنسان. حتى وصل الأمر بالبعض مثل الدكتور جورج حبيب بباوى وبعض رهبان دير أبى مقار إلى تحريف النص بإضافة خطيرة لم ترد فى النص الأصلى. ولكن الشئ المؤسف أن البعض بدأ يتعاطف مع التيار البيزنطى الخلقيدونى المتطرف الذى من مبتدعيه جريجورى بالاماس أسقف تسالونيكى فى القرن الرابع عشر الميلادى، ويدافعون عمن يندمجون فى هذا التيار. علماً بأن الكنائس البيزنطية الخلقيدونية المتشددة والمتطرفة لم تقبل الاتفاق اللاهوتى الذى قمنا بتوقيعه بين ممثلى عائلتى الكنائس الأرثوذكسية فى سويسرا سنة 1990م حول طبيعة السيد المسيح لمعالجة الانشقاق الخلقيدونى الذى عانت كنيستنا القبطية والكنيسة السريانية الأنطاكية الشقيقة الكثير على مدى التاريخ بسببه وظلت أمينة للإيمان المسلَّم مرة للقديسين.

 الخروج على النص الكتابى:

هذه العبارة وردت فى النص اليونانى الذى كتبت به رسالة بطرس الثانية أصلاً  “ثياس كينونى فيسيوس” qeiaV koinwnoi fusewV  وفى الترجمة الإنجليزية: partakers of the divine nature (N.K.J) وفى الترجمة العربية “شركاء الطبيعة الإلهية”. ولم يرد إطلاقاً فى أى لغة سواء اللغة الأصلية اليونانية أو الترجمة لأى لغة حرف “فى” وهو en (إن) باليونانى و in بالإنجليزى.

ولكن للأسف فإن البعض مثل الدكتور جورج حبيب بباوى ورهبان دير أبى مقار يحرّفون هذه الآية عند تعرّضهم لها، ويقولون “شركاء فى الطبيعة الإلهية”.. هذا لم يقله الرسول بطرس لأنه لا يمكن إطلاقاً أن يشترك أى مخلوق فى طبيعة الله، أو فى كينونته، أو فى جوهره. ومن يدّعى ذلك يكون قد دخل فى خطأ لاهوتى خطير ضد الإيمان بالله، وبسمو جوهره وطبيعته فوق كل الخليقة. كما أن هذا الإدعاء هو لون من الكبرياء سقط فيه الشيطان من قبل حينما قال “أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ” (اش 14: 14).. الرب يحمينا من هذا الكبرياء المهلك.

 

تفسير قصد بطرس الرسول:

لم يقصد بطرس الرسول بقوله “لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ (2بط1: 4)، أن هذا سوف يحدث فى هذه الحياة الحاضرة. بل كان يتكلم عن مواعيد سوف يكافأ بها القديسون الذين سوف يتكللون بالبر فى الحياة الأبدية والدليل على ذلك قوله ما يلى: “كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلَهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ… لِذَلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَنْ تَزِلُّوا أَبَداً. لأَنَّهُ هَكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ” (2بط1: 3 و10 و11).

هو يتكلم عن مواعيد لم ينلها أحد بعد وسوف تتحقق للداخلين بسعة إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح.

إن معلمنا بطرس الرسول يقصد أن حياة القداسة ضرورية لننال الوعد بميراث ملكوت الله. وهذا يقتضى الهروب من الفساد الذى فى العالم بالشهوة، والسلوك فى حياة المجد والفضائل الروحية.

وقد أكّد الرسول بطرس نفسه هذا المعنى فى رسالته الأولى بقوله “فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ” (1بط1: 13-16). ولكن الكتاب يقول فى تسبحة السمائيين للحمل (أى المسيح) “لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ” (رؤ15: 4).

أما قول معلمنا بطرس الرسول “لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ” فهو بمنتهى البساطة يقصد أن نشترك مع الله فى ملكوته الأبدى من خلال اشتراكنا فى قداسته حسب الوصية كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ” وحتى الاشتراك فى قداسة الله هو مسألة نسبية، ليست مطلقة. فكمال الخليقة هو كمال نسبى، أما كمال الله فهو كمال مطلق. وقداسة الله قداسة طبيعية غير مكتسبة، أما قداسة القديسين فهى قداسة مكتسبة. وإلا فلماذا يقول السمائيين للسيد المسيح “لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ” (رؤ15: 4).

إننا نشترك مع الله فى العمل مثلما قال معلمنا بولس الرسول عن نفسه وعن أبلوس “نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ” (1كو3: 9) نشترك مع الله فى الحياة الروحية مثل البركة الرسولية التى يُقال فيها {شركة وموهبة وعطية الروح القدس تكون مع جميعكم}.

وكما علّمنا قداسة البابا شنودة الثالث نيح الله نفسه ونفعنا بصلواته؛ فإن عبارة “شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ” تعنى فى العمل، فى الإرادة، فى الخلود، فى القداسة، فى الملكوت، فى السعادة الأبدية، فى الحب الذى قال عنه السيد المسيح للآب “أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ وَهَؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي. وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ ” (يو17: 25-26).

إن السيد المسيح يقول للآب إن الحب الذى بينهما؛ من الممكن أن يكون فى التلاميذ. والمقصود نوع الحب وليس مقداره. لأن الآب غير محدود والابن غير محدود، فالحب الذى بينهما غير محدود. أما نحن فمحدودين، وننال من الحب الإلهى على قدر استطاعتنا. وبهذا توجد شركة المحبة بيننا وبين الله. ونصير شركاء الطبيعة الإلهية.. ولكن ليس شركاء فى الطبيعة الإلهية كما يتجاسر البعض ويقولون.

وقد أوردنا فى مقال سابق طويل أقوال عدد من الآباء القديسين مثل القديس أثناسيوس والقديس كيرلس الكبير والقديس باسيليوس الكبير فى شرح العقيدة السليمة وكذلك جدول مقارنة بين تعاليم الآباء وتعاليم أحد رهبان دير أبى مقار.

ونختم هذا المقال الحالى الذى أوردناه للرد على التيار الجديد الذى فوجئنا به من الراهب “سارافيم البرموسى” ومن يؤيدونه. نختم بفقرة هامة من رسالة القديس كيرلس السكندرى عامود الدين الثالثة إلى نسطور الفقرة رقم (9) والفقرة رقم (10) يوضح فيها أن حلول أقنوم الكلمة وإتحاده بالناسوت إتحاداً طبيعياً وأقنومياً يختلف تماماً عن حلول الروح القدس فى القديسين. ولا ننسى أن هذه الرسالة بالذات قد صدرت من المجمع المقدس السكندرى برئاسة القديس كيرلس وتضمنت الحروم الإثنى عشر ضد النسطورية:

الفقرة (9):

“وإذ نعترف بكل تأكيد أن الكلمة اتحد بالجسد أقنومياً، فإننا نسجد لإبن واحد الرب يسوع المسيح…

ولسنا نقول أن كلمة الله حل فى ذلك المولود من العذراء القديسة، كما فى إنسان عادى، لكى لا يُفهم أن المسيح هو “إنسان يحمل الله”. لأنه حتى إن كان “الكلمة حل بيننا” فإنه أيضاً قد قيل إن فى المسيح “يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 2: 9). لذلك إذن نحن ندرك أنه إذ صار جسداً فلا يقال عن حلوله إنه مثل الحلول فى القديسين، ولا نحدد الحلول فيه أنه يتساوى وبنفس الطريقة كالحلول فى القديسين. ولكن الكلمة إذ اتحد “حسب الطبيعة” (kata fu,sin) ولم يتغيّر إلى جسد، فإنه حقق حلولاً مثلما يقال عن حلول نفس الإنسان فى جسدها الخاص.

الفقرة (10):

وكما قلنا سابقاً، فإن كلمة الله قد اتحد بالجسد أقنومياً (kaq u`po,stasion)، فهو إله الكل ورب الجميع، وليس هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه.

الأنبا بيشوي

 

 

شاهد أيضاً

One Hour Live201ساعة على الهواء23مارس2017-الأنبا بيشوى-يو16؛25 33الآب لم يحجب وجهه عن الابن

مرتبط

%d مدونون معجبون بهذه: