سيرة الشهيدة دميانة

هناك الكثير من المخطوطات القديمة سجلت فيها سيرة القديسة دميانة، ونحن فى كتابنا هذا أخذنا من بعض المخطوطات الموجودة فى ديرها بالبرارى مثل: {المخطوطة (رقم a72631) وتاريخ نسخها سنة 1449ش، أى سنة 1732م، أى منذ حوالى 273 سنة ميلادية.  والمخطوطة رقم (a72555) وتاريخ نسخها سنة 1498ش، أى سنة 1781م، أى منذ حوالى 224 سنة ميلادية} واللتان نُقلتا عن المخطوطة التى كتبها الأنبا يوحنا أسقف البرلس -نقلاً عن مخطوطة أقدم منها- فى القرن السادس فى زمن البابا دميانوس الـ 35 (563-598م)[1] تشمل تتابع أحداث سيرة القديسة دميانة، وخبر تكريس كنيستها فى أيام قسطنطين الملك وفى أيام الخليفة سنان فى اليوم الثانى عشر من شهر بشنس وهذه مقتطفات منها([2]):

يوحنا المدعو بنعمة الله أسقفاً على البرلس والزعفرانة وما انتهى إلىّ أنا المسكين. من هذا الخبر وهذه السيرة الفاضلة المقدسة التى للقديسة الشهيدة دميانة:

أما بعد أيها الإخوة الأحباء المؤمنون حرسكم الله بيمينه الحصين من سائر التجارب العارضة، وأتعاب العالم الرديئة، أسألكم أن تميلوا إلىّ بقلوبكم قبل آذانكم لأتلو عليكم ما قد وجدته أنا الحقير المسكين يوحنا المدعو بنعمة الله أسقفاً على البرلس والزعفرانة، وما انتهى إلىَّ أنا المسكين، من هذا الخبر العجيب، وهذه السيرة الفاضلة المقدسة التى للقديسة الشهيدة المختارة البارة دميانة. وهو إنى لما جلست على كرسى الأسقفية بالبرلس، وكنت أحضر دائماً إلى كنيسة بالزعفرانة وأنظرها وأصلى فيها، وهى مهدمة قديمة من كثرة ما مرّ عليها من الأيام، وهى خراب من عدم الاعتناء بها. فلما مضى لى مدة على هذا الحال، خطر ببالى فكراً، وهو إننى اشتقت أن أنظر خبر الشهداء سكان هذه البيعة وأعرف قصتهم، ومضت لى مدة وأنا مفكراً فى هذا الأمر، وكنت لا أستطعم بطعام ولا بنوم لأجل ما فى قلبى من هذا الأمر.

وفيما أنا كذلك إذ حضر إلىّ راهب قديس من سكان دير الميمة قبلى البيعة المذكورة، وكان معه كتب قديمة مهرية (أى ممزّقة) قد تمادى عليها سنيناً وأعواماً كثيرة، كأن ذلك الراهب قد حُرك من قِبل الله، وقال لى: يا أبى خذ هذه الكتب عندك لتفعل بهم ترتيب البيعة لأنك أبونا ولك النظر على البِيَعْ. ولوقتى أخذتهم من ذلك الراهب، ومضى بعد أن أخذ البركة من حقارتى أنا المسكين، ولعظم اشتياقى فى الخبر السعيد فتّشت فيهم فوجدتهم ترتيب تلك البيعة المقدسة قبطياً وعربياً.

وفيما أنا أفتش وجدت الخبر المطلوب أعنى سيرة القديسة العفيفة الطاهرة الست دميانة. وقد مر عليها أياماً كثيرة، وإنى أخذت دواة وقلم وورق وبدأت أنسخه ثانياً، وكان مكتوباً بخط عبد من عبيد يوليوس الأقفهصى، اسمه اخرستوذولو يقول فيه هكذا:

 

الفصل الأول

نشأة الشهيدة

كان إنسان يسمى مرقس والياً على مدينة الزعفرانة بوادى السيسبان، وكان موسراً بالمال والعبيد والإماء والمواشى والغلال والحقول والبساتين والمزروعات والذهب والفضة وسائر الخيرات التى لهذا العالم الزائل، وكان له ابنة وحيدة لم يكن له سواها اسمها دميانة وكانت عزيزة عنده جداً، يحبها حباً شديداً لأنها كانت جليلة عند أهلها، جميلة الخِلقة، حسنة الصورة إلى الغاية، فائقة فى حسنها وجمالها، ولعظم حبه لها لم يكن يقدر أن يفارقها، ولم يدعها بعيدة عنه ساعة واحدة. وكانت تنشأ بالنعمة الإلهية إلى أن كمل لها سنة واحدة، فأخذها وأخذ شمعاً ونذوراً وقرابين وأتوا إلى دير الميمة قبلى مدينتهم بقليل، وعمّدوا الابنة المباركة وأسموها دميانة وكانت ليلة شريفة بالأفراح والأغانى الروحانية، ثم رجعوا إلى الزعفرانة مدينتهم، وعملوا وليمة عظيمة للمحتاجين والضعفاء فى ذلك اليوم وثانيه وثالثه على اسم السيد المسيح، وهم فرحون بما حصل لهم من قبل عماد ابنتهم دميانة، وذلك السرور الذى أفرح قلب والدها.

وبعد ذلك ربّوها بأحسن تربية وعلموها القراءة فى الكتب، فكانت دائماً تختلى بنفسها، وتقرأ وتبكى. فلما كمل لها من العمر خمسة عشر سنة أراد أبوها أن يزوجها لأحد أكابر مدينته، فلما بلغها ذلك الخبر قالت لأبيها: “يا أبى كيف يخطر ببالك هذا الفكر، وأنا قد نذرت نفسى أن أكون عروسة للمسيح خالق السماء والأرض، أنا خادمته ولن أفعل هذا.. أبداً”. فقال لها أبوها: يا ابنتى هذا لا يغضب الله، وحيث إنك نذرتى البتولية لا يجب لى أن أغصبك. قالت له: يا أبى الحبيب أريد منك شيئاً وهو سهل عليك. قال لها والدها وهو فَرِحاً: قولى لى أيتها الابنة المباركة السعيدة لأنى مستعد أن أفعل لك كل ما تريديه. قالت له: أنا قد فرضت (نذرت) نفسى لله وأكون بجسدى خادمة للمسيح إلهى ومولاى وحياتى. ومرادى منك يا أبى الحبيب أن تبنى لى محلاً لطيفاً خارجاً بحرى هذه المدينة لأعبد إلهى ومخلصى يسوع المسيح فيه، لأنه يا أبى الواجب علينا أن نختلى للتسبيح والتقديس فى الليل والنهار، ولا يجب لى أن أشترك مع سكان هذا العالم لأن سيدنا المسيح لذكره السجود قال فى الإنجيل المقدس: “وأما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك واغلق بابك وصل إلى أبيك الذى فى الخفاء. فأبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية” (مت6: 6). ولم يقل هذا عن كل من أراد الصلاة أن يدخل مخدعه ويغلق بابه عليه، بل قال هذا يا أبى عن إغلاق أبواب العقل عن سائر الأفكار، فإذا أكمل إنسان هاتين الوصيتين كان من أهل الكمال. وخصوصاً أنا يا أبى لكون إنى بنت وآنية ضعيفة مسكينة أريد محلاً استتر فيه. والآن أسألك يا أبى تمام مسألتى لأكون ساهرة منتظرة ورود اللص، أعنى الموت، بغتةً. لكى إذا جاء يجدنى خالية من اهتمام العالم الباطل، ويكون لك أعظم الأجر والثواب قدام منبر ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح المبارك الدائم إلى الأبد آمين.

فلما قالت الست دميانة هذه الكلمات لوالدها، ابتهج بالفرح والسرور، ومن شدة الفرح ترغرغت عيناه بالدموع وقال لها: ابشرى بالفرح والابتهاج أيتها الابنة المباركة إننى من الآن فى هذا الوقت صانع لك كل ما أردتِ وفاعل لك ما طلبتِ. وللوقت والساعة أسرع وأحضر مهندساً بارعاً حكيماً مسموعاً فى تلك البلاد كلها بالصناعة الجيدة، وجماعة بنائين.. وقال لهم لما حضروا: أريد منكم أن تعملوا لابنتى دميانة المحبوبة عندى قصراً فى الموضع الذى أريكم إياه.. وها وكلائى والأمناء على أموالى أمرتهم أن يدفعوا لكم كل ما تحتاجوه من الأموال والأرزاق والغلال والمأكول كامل ما تريدوه بزيادة، واعملوا شغلكم أحسن الصناعة التى عندكم. قالوا له: سمعاً وطاعة يا حاكم البلاد.

ولوقته قام معهم وخرج إلى خارج المدينة أعنى مدينة الزعفرانة بحرى البلد بقليل، وأراهم الموضع، ولوقتهم هيأوا آلات البناء..

فلما فرغ الصناع من شغلهم حضروا إلى مرقس الوالى، وأعلموه بتمام القصر وللوقت قام، وأتى إلى المكان ودخل إلى القصر. فلما رآه فرح جداً لأنه كان نزهة للناظرين، فأنعم على الصناع بأفضل الإنعام والعطايا وتوجهوا بسلام.

 

انفراد دميانة

وللوقت أحضر ابنته العفيفة الست دميانة، وأدخلها داخل القصر، واجتمعت عندها فى ذلك اليوم فى القصر أربعون عذراء من أولاد أكابر المدينة بالزعفرانة وهن كن صاحباتها سابقاً أبكاراً أطهاراً كالملائكة كن لا يفارقن الست الطاهرة دميانة بالصلاة المتواترة باكراً وعشية بدير الميمة قبلى بلدهم. وأن والد القديسة.. أمر الست دميانة بغلق القصر بالأقفال الوثيقة من داخل ومن خارج وودعها بسلام. وتوجه من عندها إلى المدينة..

وأما العذراء الست دميانة ورفيقاتها العذارى، فلم يفترن عن الصلاة الدائمة ليلاً ونهاراً، وصعدت صلواتهن إلى كرسى الإله القدوس مقوى الأوانى الضعيفة حتى ينلن مراتب الفردوس.

 

 

 

المبنى الجديد لمساكن الراهبات بالدير من الجهتين القبلية والشرقية الذى افتتحه قداسة البابا شنودة الثالث يوم 28/11/1992م

 

 

 

منظر عام للدير من الجهة الشرقية

 

 

1) من كتاب الخريدة النفيسة الجزء الثانى صفحة 43

2) هذا نقلاً عن المخطوطة بتصرّف مع تعديل بعض الألفاظ وتوضيح بعض العبارات بما يناسب قارئ وقتنا الحاضر.

شاهد أيضاً

One Hour Live231ساعة على الهواء7-12-الأنبا بيشوى-جوج وماجوج-آباء العهد القديم وأنبياء يروا الفداء

مرتبط

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: