آلام وأمجاد

الفصل الثالث

آلام وأمجاد

حيرة ومشورة

ومن بعد استشهاد والدها -الوالى مرقس- فى ثانى يوم جلس الملك الكافر ورومانوس وزيره إلى جانبه، وهو حزين على مقتل مرقس الوالى. فقال له رومانوس: تعيش أيها الملك إلى زمان طويل، قد بلغنى من صاحب لى، أن مرقس الوالى ما انثنى عن مودتنا وكره آلهتنا ورفضها، وترك عبادتنا إلا من ابنة له اسمها دميانة ساكنة بالزعفرانة بوادى السيسبان.. قصراً مرتفعاً كان قد عمله لها والدها، وصحبتها أربعون عذراء أبكار. لأنها لما سمعت بوالدها أنه أطاعنا، حضرت إليه بالفرما، وأحادته عن طريقنا، ولهذا السبب كفر بنعمتك أيها الملك..

فلما سمع الملك الكافر ذلك غضب غضباً شديداً، وملأه أبوه الشيطان غيظاً زائداً. وأنه للوقت أمر واحداً.. من عسكره قائلاً له: خذ معك مئة جندى وامضِ أنت إلى الوالى، إلى مدينة الزعفرانة بوادى السيسبان، وانظر لى خبر هذه البنت دميانة التى سمعت بها أنها فى قصر عالٍ، ابنة مرقس الوالى، التى أطغت جميع تلك النواحى، وخاصة أقلبت أبوها عن مودتنا وخدعته حتى أطاع كلامها وأبطل عبادتنا.  والآن امض إليها وخادعها (يقصد أن يساومها)، وقل لها: يقول لك أيضاً الملك ضابط الدنيا كلها متولى كل الرتبة الرومانية والديار المصرية.. مالك أقطار العالم دقلاديانوس، أن تسجدى للأوثان وتبخرى لهم، لأنهم قد أعطونا الظفر على كل الممالك، وتقولى أنت يا أبولون الإله الحق، ويكون كلامك لها برفق وبلطف ومخادعة. فإن هى أطاعت، إبنِ لها قصراً ثانياً يكون أحسن من الأول, وأدفع لها من الأموال ما أرادت، وإن هى أبت ذلك ولم تطع عذبها بأشد العذاب، ولا تدع عذاباً قوياً إلا وتجلبه عليها، وأخيراً تأخذ رأسها بالسيف هى والعذراى اللواتى معها. وفى سفرك من هنا ورجوعك إلينا، لا تدع ممكناً فى العذاب إلا وتجلبه على هذه الأمة، أعنى أمة المسيحيين عابدى المصلوب، لأنى مستعد أن أقطعهم من بلادى كلها.

فلما قَبِل الأمير وصية الملك الطاغى المارق الردئ، قبّل يديه وأخذ معه مئة جندى وركب قاصداً المدينة الزعفرانة بوادى السيسبان. وكان كل من وجده فى طريقه من النصارى يطالبه بعبادة الأوثان، فقتل فى طريقه شهداء كثيرين، لا يحصى لهم عدد، إلى أن وصل إلى الزعفرانة، وضرب خيامه بحريها بجانب قصر دميانة مع العذارى، وكان آخر النهار.

 

 

عزم وقوة

فلما أشرفت الست دميانة من رواشن قصرها وأبصرت الخيام منصوبة، والأجناد والأعوان أيضاً، فألتفتت إلى العذارى وقالت لهن: يا إخواتى تعالين انظرن. فأتين إليها بسرعة، وطللن من طاقات القصر، ثم قلن: ما هذا يا سيدتنا. هذه أجناد ردية. قالت لهن دميانة: هؤلاء من عسكر الطاغى دقلاديانوس المنافق، وهم قاصدون عذاب المسيحيين، وما أظن إلا أنهم أتوا هنا بسببنا. الآن أيتها الأخوات قوموا بنا نصلى إلى السيد المسيح إلهنا، ونسأله أن يقوينا على العذاب وعلى أخذ إكليل الشهادة على اسمه المقدس. فقمن كلهن وصلين، ومن بعد صلاتهن جلسن. فقالت لهن الست العفيفة دميانة: أيتها الأخوات المباركات قال سيدنا يسوع المسيح له المجد فى الإنجيل المقدس “فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلى يجدها” (مت16: 25)، وأنا الآن أعلمكن من كانت منكن تريد أن تأخذ إكليل الشهادة على اسم المسيح فلتقم هنا، ومن لم تطق العذاب منكن فلتنزل سراً وتهرب إلى حال سبيلها.

فلما سمعن العذارى هذا من الست دميانة، صرخن بالبكاء والنحيب الشديد قائلات: كيف يا سيدتنا فكرت فى هذا الفكر، أن نفارقك، وأنت السبب فى حياتنا، ونترك ونمضى إلى العالم الزائل هذا لا يكون منا. والآن الموت الذى تموتى أنت به، نحن نموت به أيضاً معك.

 

عرض ورفض

وفيما هن يتكلمن بهذا، وإذا باب القصر يطرق، فأمرت الست العفيفة دميانة واحدة من العذارى أن تنزل لتنظر من هو الذى يطرق الباب، فنزلت واحدة وقالت: من هو هذا الذى يطرق القصر؟ قال لها الأمير: قولى للست دميانة العفيفة الكاملة، عبدك الأمير فلان المتولى من قِبل دقلاديانوس الملك المتولى برتبة الروم حاكم على العالم كله، مرسلاً من عنده إليك، يكلمك بكلام من عند الملك، فلوقتها طلعت العذراء وأعلمت الست دميانة بما قاله الأمير. فأمرتها بأن تفتح له الباب، فدخل ذلك الأمير وطلع إلى القصر، ودخل إليها إلى القصر فوجدها جالسة وهى تتلألأ بالنور. فقال لها الأمير: السلام لك يا دميانة التى افتخر الملوك بذكرها وبحسنها وشاع واشتهر وعلا قدرها فى كل الممالك والأصقاع. أنا أقول لك يا سيدتى إن الملك يقول لك أن تعبدى آلهته الكرام وتبخرى لهم. لينعم عليك بما تطلبين، ولو يكون نصف مملكته. والآن ها قد جئت إليك أنا الآن بهذا القول المفرح من عنده.

فلما سمعت الست دميانة من الأمير هذا الكلام، قفزت واقفة..    قائلة: .. أما تستحون أن تسموا هذه الأحجار والذهب والفضة والأخشاب الساكن فيها الشياطين آلهة؟! أما لكم عقلاً فهيماً؟ كيف يكون صنماً لا يتحرك يحمله كهنة من مكان إلى مكان تدعونه يا مخالفين أنه إله. ليس إله فى السماء وعلى الأرض إلا يسوع المسيح الخالق مع أبيه الصالح وروح قدسه الأبدى القوى، الملك الدائم المالئ كل مكان الذى لا يحيط به شئ ولا يكيف، الخفى عن العيون، العالِم بالأسرار قبل إضمارها، الذى يقهركم يا عباد الأوثان بكأس الموت المر. وبعد موتكم يرميكم فى الجحيم المنتن مخلدين. هناك يكون لكم العذاب الدائم الشنيع فى ظلمة مدلهمة ومعكم الشيطان الذى أطعتموه.. فى خزى أبدى. أما أنا الآن فإنى عبدة لسيدى ومخلصى يسوع المسيح وأبيه الصالح والروح القدس الثالوث الأقدس به أعترف وعليه أتوكل وباسمه أموت وبه أحيا إلى الأبد آمين.

فلما سمع منها الأمير مثل هذا الخطاب غضب جداً وصارت عينيه تقدح كمثل مشاعل النار، وصار كله غضباً، وصر بأسنانه على القديسة ومسكها ونزل من القصر إلى خارج، وأمر بعذابها:

 

1- رفعها على الهنبازين

وللوقت رفعها على الهنبازين، وأمر بعصرها بين أربعة رجال أقوياء اثنين مقابل اثنين. فأحست الست دميانة بعظم الآلام، وكانت جميع العذارى واقفات قائمات بجانبها باكيات.

فرفعت عيناها إلى السماء وصرخت قائلة: أيها الوحيد الجنس الابن الأزلى يسوع المسيح الذى أصعده اليهود على الصليب المقدس مسمراً بين لصين، وكان ذلك بإرادتك، اصعد عقلى يا إلهى من الاهتمام بالجسدانيات التى تشوش العقل إلى تذكار تدابيرك السمائية، واقبل منى أنا هذا التعب القليل وهو فى الأول على اسمك المقدس. لأن لك المجد والرفعة والشأن الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين آمين. وكان الأعوان أيضاً مجتهدين وتعبوا مما يعصرون. فصار دم القديسة الست دميانة يجرى على الأرض كمثل الماء، وكان الرب يثبت نفسها فيها وهى تتكلم.

فلما رأت العذراء الست دميانة العذارى قيام حولها باكيات قالت لهن: لا تبكين يا أخواتى علىَّ، لأن سيدنا المسيح له المجد احتمل عنا الآلام لأجل خلاصنا ومات عنا بالجسد ولم يكن فيه خطية يستوجب بها الموت، بل كان ذلك بالجسد ليخلص آدم وجميع نسله من الجحيم. فإذا كان الإله القادر قَبِل الموت والصلب بإرادته وهو غير خاطئ، فكم بالحرى يجب علىَّ أنا عبدته السلوك فى طاعته. لأنى أطلب الموت وأقبله بحلاوة، لأن الرسول بولس الطوبانى قال فى رسالته: “فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا” (رو8: 18). فلما تعب الأعوان من دوران الهنبازين حتى صار عظم القديسة ولحمها كمثل العجين والروح ثابتة فيها تتكلم. فتعجب جميع الحاضرين من ذلك. ثم أمر الأمير أن يودعوها الاعتقال، فأنزلوها عن العصار ورموها فى السجن، وهى فى شدة عظيمة من عظم العذاب.

فيا لكثرة الأتعاب التى تنال الشهداء والقديسين من الكفرة.. عباد الأوثان الأشرار، إلا أن فرح ومجد وملكوت السموات لا يوصف.

فلما قفلوا عليها باب السجن، كانت العذارى عندها باكيات ولم يكلمهن الأمير. ومن الغم نعس العذارى، وكانت الست دميانة فى شدة الآلام. وللوقت نزل لها ملاك الرب ميخائيل، فأشرق النور فى السجن فأعطاها السلام ولمس جسدها بأجنحته النورانية، ولوقتها شفيت من سائر الأوجاع ولم يبق فيه جرحاً واحداً. وأعطاها الملاك السلام وصعد إلى السماء بمجد عظيم.

فلما كان ثانى يوم باكراً، أمر الأمير بإحضار الست دميانة فى مجلس الحكم. فلما مثلت بين يديه، وجدها سالمة، ولم يجد فى جسدها جرحاً ولا خدشاً فيها. قال: حقاً يا دميانة، صناعتك فى السحر جيدة، والآن سوف أبطل أسحارك. وأن الحاضرين حين رأوا ذلك صرخوا فى فم واحد قائلين: تحرق أيها الظالم أنت وملكك الكافر، نحن جميعاً نصارى على الأجهار، مؤمنين بالرب يسوع المسيح إله هذه القديسة العفيفة الست دميانة، ونموت بالموت الذى تموت به هذه القديسة الشابة العذراء عروس المسيح.

فلما سمع منهم الأمير مثل هذا الكلام أمر بأخذ رؤوسهم جميعاً بحد السيف ونالوا أكاليل الشهادة، وصاروا شهداء شفعاء فى الناس، ولم يجسر أحد أن يأخذ أجسادهم بل كانت بجانب القصر، بركاتهم تشملنا إلى النفس الأخير آمين.

 

2-تمشيط جسدها بأمواس حادة وتدليكه بالخل والجير

وبعد ذلك أمر الأمير أن يقدم إليه الست العفيفة دميانة، وأمر بأن يجرد (يمشط) لحمها بأمواس حادة. فلما فعل بها ذلك أعوان الشيطان، وهى صابرة بقوة الرب يسوع المسيح الذى اختارت أن تتعذب وتموت على اسمه القدوس، أمر الأمير أن يدلكوا جلدها بخرق من شعر الخنزير بخل عتيق وجير من غير طفى، فاشتعلت أعضاؤها من شدة الآلام.

فيا لكثرة الأتعاب التى تنال القديسين الشهداء الأطهار من المخالفين، ولكن فرح ومجد ملكوت السموات لا يوصف.

ثم أخذها الأعوان ورموها فى حبس مظلم، وفيها نَفَس قليل وحولها أيضاً العذارى باكيات بحزن شديد سراً. فلما صارت فى الحبس وهى فى شدة العذاب والآلام فتحت فاها المقدس قائلة: اللهم ربى وإلهى خالق السماء والأرض وكل ما فيها الذى طبعه الرحمة والتحنن، الذى بعظم رحمته يسمع دعاء المساكين الذين يدعونه بقلب نقى، ويقضى حوائجهم فى تدابير خلاصهم. الآن يا سيدى أنا أمتك الضعيفة المسكينة قونى على احتمال سائر العذاب، واعطنى قوة أن أقهر سائر الأعوان المضادين الذين تركوا معرفتك يا إله الحق وأطاعوا العدو المعاند. وأنجو باسمك. واشركنى مع قديسيك والقديسات الطاهرات العفيفات اللواتى كملن قبلى. لأنك أنت إله صالح محب البشر، يليق بك كل مجد ووقار إلى أحقاب دهور الأبد آمين.

فلما أكملت القديسة الست دميانة صلاتها، نزل لها الملاك الجليل ميخائيل، وفرش أجنحته النورانية عليها. فأضاء كل المكان مثل البرق الساطع، فغشى على العذارى من بهجة النور. فكن كمثل الأموات. فقال لها الملاك: سلام سيدى يسوع المسيح وأبيه الصالح والروح القدس يكون معك، أيتها الشابة العذراء العفيفة الكاملة دميانة. ثم لمسها بأجنحته النورانية، فشفيت كأنها لم يكن بها ألم البتة. وصعد إلى السماء وغاب عنها.

فأيقظت العذارى قائلة لهن: قمن يا أخواتى ها الرب قد أرسل إلىَّ ملاكه وشفانى من جميع الأتعاب، فله الشكر منى أنا أمته الضعيفة لأنه أظهر قوته فىَّ كما قال بولس الرسول معلم الكنيسة لسان العطر “تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل” (2كو12: 9). وأن الضعف الذى يكون من قِبل الله أقوى من قوة الناس الأقوياء. فله الشكر والمجد والسبح والإكرام إلى أحقاب دهور الأبد آمين.

فلما فرغت من كلامها للعذارى، قال الأمير للأعوان: امضوا إلى السجن وأتونى بدميانة إن كانت بالحياة، وإن كانت ماتت ارموها لتأكلها الكلاب، واحضروا بسرعة اعلمونى لأقوم بسرعة وأسافر إلى الملك راجعاً، ونرتاح من هذا الهم والنزاع الزائد والمضاربة والتعب. لأن لى مدة وأنا ههنا منذ حين فارقت أنطاكية، لئلا يشوش علينا الملك من طول الغيبة. فلما مضى الأعوان إلى السجن ليحضروها، وجدوها جالسة وهى تلالى بالنور، تضوى بنور عظيم جداً كضياء الشمس فى إشراقها..

فأخذها أيضاً الأعوان وأحضروها إلى الأمير فى مجلس الحكم. وكانت تصرخ قائلة: أتيت إليك، أتيت إليك أنت مع أبولونك الحجر وأنا مع سيدى يسوع المسيح.. يا أعداء الله، يا عابدى الأصنام الخائبة. ليس إله فى السماء وعلى الأرض إلا إله النصارى: يسوع المسيح، الإله الخالق لكل البريا. الذى شفانى من عذابك أيها الجاحد.. يا أيها الحاضرون هل ما رأيتم حالى فى أمس وما كنت فيه من شدة الآلام والأتعاب، والآن ها أنا صحيحة الجسم. شفانى ربى وإلهى ومخلصى يسوع المسيح.

وللوقت صرخ الحاضرون كلّهم قائلين: ليس إله فى السماء وعلى الأرض إلا إله القديسة الست دميانة إله النصارى. ومن الآن نحن مؤمنون بإله هذه القديسة الطاهرة الست دميانة وللوقت أمر الطاغى بأخذ رؤوس الجميع. وكانوا جموعاً كثيرة من سائر البلاد المجاورة لهم ولم يجسر أحد أن يأخذ أجسادهم، بل كانوا عند أجساد الذين استشهدوا أولاً بسبب القديسة.. وصعدت أرواحهم إلى الملكوت الأبدى فى الحياة الدائمة. وصاروا شفعاء فى الخطاة. بركاتهم تشملنا جميعاً آمين.

ثم إن الأمير قال للست دميانة: أما كفاك أيتها البنت القوية (يقصد “الصلبة” أى “العنيدة”) الرأس! هؤلاء الخلائق الذين سفكوا دماهم بسببك وصرتى مطالبة بهم، هلكوا كلهم بالسيف. قومى الآن طاوعينى وأسجدى لأبولون كبير الآلهة، وانظرى إلى حسنه وما أحسن دهانه.

فقالت له القديسة الست دميانة: حسناً تنبأ عليك وعلى أمثالك السعيد داود النبى ملك إسرائيل لأنه قال.. : إطلع الله من السماء على بنى البشر فلم يجد من يعمل صالحاً ولا واحد، حناجرهم قبور منفتحة وألسنتهم غادرة ماكرة وسم الأفاعى تحت شفاهم وفى سبلهم المشقة والشقوة وليس نصب عيونهم خشية الله. وقال أيضاً من أجــل أوثانك النجســة “أصنامهم فضة وذهب عمل أيدى الناس. لها أفواه ولا تتكلم. لها أعين ولا تبصر. لها آذان ولا تسمع. لها مناخر ولا تشم. لها أيدى ولا تلمس. لها أرجل ولا تمشى ولا تنطق بحناجرها. مثلها يكون صانعوها بل كل من يتكل عليها” (مز115: 4-8)، الذين هم أنتم يا عباد الأوثان.. الرب الإله يخزيكم.

فلما سمع الأمير هذا الكلام، من ساعته تغير لون وجهه لأنه أفتضح جداً وتنهد قائلاً: آه كادتنى هذه البنت القوية الرأس. ولم أر مثل مكافحتها على أحد من الرجال الأبطال. فسوف يحل بها منا أليم العقاب وأشد العذاب، وأريها ما قد تفوهت به قدامنا وأخزتنا وقلة (قللت) حرمتنا.

 

3-ضربها بمرازب حديد

وللوقت أمر الأعوان فضربوها بمرازب حديد من أقدامها إلى رأسها. ثم وضعوها فى دست كبير ووضعوا عليها شحم خنزير وزيت وزفت وعلك. وأوقدوا تحتها بالنار وارتفع اللهيب من فوق فم الدست مقدار عشرة أذرع، ولم تمت لأن الرب كان يثبت نفسها فيها. وكانت تسبح تسابيح زائدة، ولحمها وعظمها يشعل بكل تعب زائد واشتعال.

فيا لكثرة الأتعاب التى تنال القديسين من المخالفين، ولكن فرح مجد ملكوت السموات لا يوصف.

وللوقت نزل رئيس الملائكة ميخائيل من عند الرب وبسط أجنحته النورانية على الخلقين، فهدأت أوهاجه ولهيبه، ورفع الست دميانة وأوقفها صحيحة ولم يوجد فى جسدها أثر نار، ولا رائحتها فى أثوابها البتة. وصعد إلى السماء بمجد عظيم.

فقامت الست دميانة وأتت إلى الأمير وصرخت قائلة: أتيت إليك أنت وأبولونك الحجر الأصم، وأنا وسيدى يسوع المسيح. فالتفت الأمير وقال لجليسه من تكون هذه الصبية؟ ها قد رأينا أناساً كثير عددهم ولم نر مثل هذه البنت فى احتمالها العذاب الشديد. والآن عقلى قد احتار من أمر هذه العذراء. وأن جميع الحاضرين صرخوا جميعاً من فم واحد قائلين: نحن نصارى علانية مؤمنين بإله هذه القديسة الست دميانة. وكانوا جموعاً كثيرة. فأمر الطاغى بأخذ رؤوس الجميع. ورميت أجسادهم على أجساد المستشهدين تحت القصر.

ثم التفت الأمير إلى القديسة العفيفة الست دميانة وقال لها ما هى الفائدة الحاصلة لك أيتها الصبية القوية الرأس (يقصد العنيدة الرأس) فى قتل هؤلاء الجموع، وتصيرى مطالبة بدمائهم لأنهم بسببك ماتوا كلهم. فكيف تحتملين دماهم؟

أجابته القديسة قائلة: .. إذا أردت أن تدخل إلى ملكك الكافر تقدم قدامك هدايا ليكون دخولك مقبولاً عنده، فكم بالحرى يجب علىَّ أن أقدم هدايا ناطقة، ذبائح مقبولة، أصعدهم إلى السماء. وهم الآن قدام منبر المسيح إلهنا الخالق منتظرين إلى أن ألحقهم فى خير ونعمة. وأنا أسأل من إلهى القدوس الحى القادر القاهر أن يكملنى مثلهم وأحظى بالاجتماع بهم فى ذلك الدهر العتيد.

فتعجب الأمير ومن معه من حكمة الصبية العفيفة دميانة والنعمة الحالة عليها، وفصاحة لسانها وكلام معقولها وتميزها الحسن، للوقت أمر بحبسها فى السجن حتى يفتكر ماذا يصنع بها؟ ثم بعد يومين أمر الأمير بإحضارها. فلما حضرت قال لها الأمير: مرحباً بالست دميانة العفيفة، شريفة الحسب، كريمة الأصل التى تكلم الناس بفضائلها. أما طاب قلبك يا ستى أن تسجدى للآلهة وتخلصى من هذا التعب كله. فلما سمعت هذا قالت له: أيها الطاغى، إن الحكيم لا يقبل المديح والسبح الباطل الفارغ. وسيدنا المسيح له المجد قال فى إنجيله المقدس وهو أصدق القائلين: “ويل لكم إذا قال فيكم جميع الناس حسناً” (لو6: 26) فاعلموا إنكم قد أخذتم أجرتكم، وأنا الآن لا أطيع مشورتك الردية لأن آخرتها سم الموت، لأن الخطية ترى حلاوة ولذة يسيرة، فأما عاقبتها فإنها تؤدى إلى جهنم القصوى، فأما أنا فأسأل إلهى أن يخلصنى من محبتها. أما كفاك.. وما ارتدعت بما فعله معى إلهى من العجائب القوية؟! أين هى قوة إلهك.. الذى لا يقدر أن يتحرك من موضعه. كيف يقدر أن يعين غيره؟! اخز وافتضح الآن أيها الجاهل.. إلهى أنا؛ ضابط أقطار الأرض، ورافع استدارة السماء بغير عُمد منه وبه. لا أحد يكيف حكمته. له المجد والرفعة منى إلى آخر دهور الأبد آمين.

فلما قالت هذا الست دميانة صار الأمير فى قلق عظيم وتنهد من صميم قلبه.

 

4- تقوير رأسها وقلع عينيها

وبسرعة أمر الأمير أعوانه خدام الشيطان، فقوروا رأس العفيفة الست دميانة بقادوم النجارة. وسبكوا رصاص وأذابوا زيت وزفت وعلك بالنار، ووضعوه فى مكان التقوير. ثم إنهم قلعوا عينيها، ثم سلخوا باقى جلد رأسها إلى أكتافها، وصبوا عليها من ذلك الزفت والزيت والعلك المغلى. فأحست الست دميانة بشدة الآلام.

فيا لكثرة الأتعاب التى تنال القديسين والشهداء من الكفرة، ولكن فرح مجد ملكوت السموات لا يوصف.

وكان الرب يثبت نفسها فيها فصرخت قائلة: يسوع هو إلهى، يسوع هو رجائى، يسوع قوة رجائى وخلاصى، يسوع ملكى. أيتها الممتلئة نعمة ومجد؛ أم النور الإلهى مريم سيدتى القديسة اشفعى فى سائر شعبك. قالت هذا وخرجت روحها من جسمها.

وللوقت نزل عليها طير حمام أبيض من السماء وصار يرفرف على رأسها وعينيها بأجنحته. ولوقتها نهضت قائمة صحيحة من غير ألم، صحيحة العينين سالمة البدن والدماغ، وليس بها ألم قط. ثم طارت الحمامة إلى الجو وغابت عن أعين الحاضرين. وأن كامل الناس الذين كانوا وقوفاً هناك لما رأوا الآيات العظيمة صرخوا قائلين: المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وفى الناس المسرة. الإله الأبدى مظهر العجائب فى قديسيه الذى خلّص هذه القديسة العذراء دميانة من الموت والعذاب. ثم صرخوا نحو الست دميانة قائلين: انجدينا.. واطلبى من السيد المسيح إلهك يقوينا لنأخذ الشهادة على اسمه القدوس. فقالت لهم الست دميانة: أنا أسأل من إلهى أن يعطيكم قوة لتخلصوا من أتعاب المخالفين، وأحظى بالاجتماع معكم فى ذلك المكان الرفيع شأنه الدائم سلطانه. ولوقتهم قبلوا يديها ورجليها وتقدموا إلى المحكم وصرخوا قائلين: تحرق أنت أيها الكافر وملكك المضل اللعين وأوثانك النجسة التى ليست لها قوة تفعلها. ونحن الآن نسارع على الأجهار مؤمنين بسيدنا يسوع المسيح. وأن الأمير بسرعة أمر بأخذ رؤوس الجميع بحد السيف. وكانوا كثيرين جداً ونالوا إكليل الشهادة فى ملكوت السموات، وعيدوا مع المسيح الذى أحبوه وسفكوا دماءهم على اسمه المقدس أول يوم من شهر طوبة. وصاروا شفعاء فى الخطاة بركاتهم تشملنا إلى الأبد آمين.

وبعد ذلك قال الأمير لجليسه خذ هذه الصبية القوية الرأس التى اخربت علينا هذه البلاد كلها وجرَّت هؤلاء القوم كلهم للإيمان بالمصلوب فقتلناهم أكابر ونساء ورجال، اجعلها فى حبس مظلم واقفل عليها بالأقفال الضابطة بغير أكل ولا شرب، ودع عندها صاحباتها هؤلاء العذارى.

ثم التفت الأمير إلى العذارى وقال لهن: قلن لصاحبتكن دميانة تطيعنا أحسن من هذا الخلاف لئلا يحل بها منا أليم العقاب وأشد العذاب وتنال شروراً رديئة. فساقهن السجان وأدخلهن حبساً مظلماً وقفل الأبواب عليهن. فلما حَصَلن داخلاً انتصبن جميعهن للصلاة. وللوقت أشرق النور فى المكان وصار كمثل ضوء الشمس.

وبعد عشرة أيام قال الأمير لأعوانه: جيبوا البنت دميانة، لعلها تكون قد انثنت عن سوء رأيها لتعبد آلهتنا ونرتاح نحن وهى من هذا النزاع والانزعاج كله. فكل هذه الخلائق متعلقين بها لأنها أقلقت علينا هذه البلاد كلها.

وللوقت مضوا ليحضروها. فلما فتحوا الباب فأضاء النور فى وجوههم. فوقعوا على أقدام الست دميانة وقالوا: ياسيدتنا الأمير يدعوك: فقامت للوقت وهى تقول فى المزمور: “كثيراً ما ضايقونى منذ شبابى..” (مز129: 1-8).  فلما مثلت بين يدى الأمير بحضرة أجناده وأعوانه كلهم، قال لها: أيتها الست العفيفة دميانة طاوعينى الآن واسجدى للآلهة التى للملك، لأدفع لك أيضاً كرامات كثيرة. قالت له القديسة الست الطاهرة دميانة: لقد حار عقلى من جهلك، لأن كلمة واحدة تكفى العاقل، وأنا الآن لى مدة أقول لك: إنى لم أعبد آلهتك النجسة وقد أوليتنى عقاباً شديداً وإلهى يشفينى. تحرق أنت وملكك الكافر. الردى الجاحد الطاغى.

 

5- تقطيع أعضائها وإلقاؤها للوحوش

فلما سمع منها الأمير مثل هذا الكلام، أمر بسرعة أن تشحط (تُشَد) بأربعة أوتار طوال وتقطع أعضاؤها. ولوقتها وقفت نحو الشرق([1]) هى والعذارى وصلّت قائلة: يا إله القوات المسيح إلهنا قوِنى يا سيدى على احتمال هذا العذاب على اسمك القدوس، لأنك أنت إله الحق، إله مبارك، وبك يليق المجد والإكرام الآن وكل آوان وإلى الأبد آمين.

فلما فرغت من صلاتها، التفتت إلى العذارى وقالت لهن اذكرننى يا أخواتى فى صلواتكن لكى يقوينى المسيح إلهى على احتمال هذا العذاب.

ثم تقدمت للأعوان خدام الشيطان وقالت لهم: ما بالكم وقوفاً وأنتم بطالين. اعملوا ما أمركم به سيدكم يا أعوان الظلم. ولوقتها شحطوها بالِمَقاط والسلاسل فى الأوتاد وقطعوا أعضاءها جزءًا جزءًا كمثل جزل السمك. فأسلمت روحها للوقت.

فأمر الأمير أن تُرمى للوحوش. فمكثت مرمية للوحش والطير الكاسر يوماً وليلة، ولم يقربها الوحوش، بل كان الوحش محيط بها والطير حائم عليها، ولهم ضجة وزعيق من شدة البكاء كمثل من له حبيباً وحيداً يبكى عليه. وكانت العذارى وسائر الحاضرين وقوفاً من بعيد يبكون.

 

ظهور المخلص لها وإقامته لها من الموت

وللوقت أرعد الرب من السماء رعداً قوياً وزلزلة حتى أن الحاضرين وقعوا كالأموات ونزل رب المجد السيد المسيح الإله على مركبة الشاروبيم([2]) والست السيدة العذراء جالسة عن يمينه([3]) ورؤساء الملائكة يسبحون تسبيحاً لا ينطق به. وصرخ المخلص له المجد نحو أعضاء ولحم القديسة الطاهرة دميانة قائلاً:

لكِ أقول أيتها الابنة المباركة دميانة قومى من غير  فساد (يقصد من غير جراح). وللوقت قفزت كأنها كانت نائمة وسجدت للمخلص.. فقال لها المخلص: تقوى أيتها المختارة دميانة، هوذا قد أعددت  لكِ ثلاثة أكاليل لعرسك السمائى فى فرحى الدائم. وقد بقى لـكِ تعباً قليلاً فى هذه المرة الواحدة، وتأخذين تاج الفرح، الأجر التام بسفك دمك بالسيف. وهوذا أنا أجعل لك صيتاً شائعاً بالعجائب والقوات فى هذا الموضع الذى أنت فيه. يُبنى لك فيه كنيسة على اسمك ويتقاطر كل الخلائق من كل مكان إلى الزيارة لبيعتك، ويكون فيه غفران الخطايا باسمى، واسم والدتى العذراء، واسمك. ويكون ذكركِ إلى آخر وقت ذائع. وتحل بركتى وبركة والدتى العذراء فى هذا المكان إلى الأبد.

فلما قال السيد المخلص هذا الكلام للست العفيفة دميانة، قواها وأعطاها السلام، وصعد إلى السماء بمجد عظيم. فسجدت القديسة للمخلص على الأرض.

ثم أيقظت العذارى وبقية الحاضرين ومضت مسرعة إلى الأمير فى مجلس الحكم، وكان جميع أهالى البلد حاضرين، ومن بلاد البرلس أيضاً والبلاد المجاورة للزعفرانة، صرخت صرخة عظيمة وسط الجميع قائلة: “المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو14:2). اخز أنت أيها الأمير وافتضح لأن سيدى ومخلصى يسوع المسيح قد أقامنى من بعد ما قطعتنى مثل جزل السمك، ودقيت أيضاً عظمى بالفؤوس, وهوذا أنا الآن واقفة صحيحة العقل سالمة البدن.

 

استشهاد القديسة العفيفة دميانة

وللوقت لما رآها كل الحاضرين صرخوا كلهم قائلين من فم واحد: اخز.. وافتضح يا منافق (المقصود هو الأمير)، نحن نصارى مؤمنون بإله هذه القديسة الست دميانة. فقال له جليسه: كيف ونحن لنا مدة نعاند ونقاوم هذه الصبية.. ولا قدرنا عليها نُطيِّعَها، ولا قدرنا أن نميتها، ولا هدأ سرنا منها ساعة واحدة، ونحن نضاربها، وهى ثابتة، وأنا أعرف أن هؤلاء القوم أعنى النصارى أقوياء على احتمال العذاب، والآن أيها الأمير أنا أشير عليك بمشورة تريحك، اسمع منى وخذ رأسها بحد السيف، ونقوم بسرعة نتوجه من هذا الموضع إلى الملك لأجل خدمتك لئلا بسبب تأخرك هذه المدة عن الملك يحصل لك الإهانة منه.

فأعجب الأمير بهذه المشورة، وللوقت كتب قضيتها هى والأربعين عذراء وسائر الذين آمنوا أيضاً وكانوا كثيرين جداً. وأخرجهم الأعوان بحرى مدينة الزعفرانة وأخذوا رؤوس الجميع بحد السيف. وكان عدد الذين أخذوا الشهادة بسبب هذه القديسة دميانة من ابتداء أمرها إلى كمال جهادها أربعمائة نفس. وصعدت أرواحهم إلى فردوس النعيم وصاروا شفعاء فى الخطاة([4]) قدام الله الذى سفكوا دماءهم على اسمه القدوس.

وكان يوم شهادة هذه القديسة الست دميانة عروس المسيح فى ثالث عشر من شهر طوبة المبارك ونالت ثلاثة أكاليل نورانية واحد لأجل بتوليتها، وواحد لأجل عذابها، وواحد لأجل سفك دمها الطاهر بالسيف بركاتها تشملنا جميعاً إلى النفس الأخير آمين.

ثم ركب الأمير بسرعة هو والجند، وسافر قاصداً مدينة أنطاكية، ولم يبيتوا تلك الليلة. فلما علم الشعب المؤمنون بشهادتها، أتوا من كل البلاد المجاورة لها وأخذوا جميع الأجساد ورصوهم مثل خلايا النحل([5]) وتركوا أمرهم إلى حين انقضاء زمان الاضطهاد..

 

1 ) هذا يوضح أن الصلاة نحو الشرق هو نظام قديم عند المسيحيين.

2) هذا نوع من الظهور وليس مجيئاً للرب لأنه دخل إلى الأقداس مرة واحدة إلى أن يأتى فى مجيئه الثانى فى اليوم الأخير.

3) وهذا أيضاً ظهور للسيدة العذراء بروحها فقط لأن جسدها محفوظ إلى اليوم الأخير وقيامة الأموات.

4) هذا يدل على أن الإيمان بشفاعة القديسين التوسلية هو عقيدة ثابتة منذ القرون الأولى للمسيحية.

5 ) أى فى عيون للدفن على طبقات متتالية.

شاهد أيضاً

كلمة لاتزول117-نيافة الأنبا بيشوى-يو6؛63 اهل جسد المسيح فى الإفخارستيا حقيقى أم رمز مارس2010

مرتبط

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: